فصل: تفسير الآيات رقم (9- 12)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏73- 77‏]‏

‏{‏وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ‏(‏73‏)‏ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ‏(‏74‏)‏ إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ‏(‏75‏)‏ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏76‏)‏ سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ‏(‏77‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏وإن‏}‏‏:‏ مخففة من الثقيلة في الموضعين، واسمها‏:‏ ضمير الشأن، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، أي‏:‏ إن الشأن قاربوا أن يفتنوك‏.‏ و‏{‏سُنَّة‏}‏‏:‏ مفعول مطلق، أي‏:‏ سنَّ الله ذلك سنة‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏وإِن كادُوا‏}‏ أي‏:‏ كفار العرب، ‏{‏ليَفتنونُك عن الذي أوحينا إِليك‏}‏؛ من أمرنا ونهينا، ووعدنا ووعيدنا، ‏{‏لتفتريَ علينا غيره‏}‏؛ لتقول ما لم أقل لك، مما اقترحوا عليك‏.‏ نزلت في ثقيف، إذ قالوا للنَّبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا نَدْخُلُ في أَمْركَ حتى تُعْطِينَا خِصَالاً نَفْتَخِرُ بها على العَرَبِ‏:‏ لا نُعشَّرُ، وَلا نُحشَّرُ، وَلاَ نَحْنِي في صَلاَتِنَا، وكُلُّ رِبًا لنَا فهُو لنَا، وكلُّ رِبًا عَلَيْنَا فهو مَوْضُوعٌ، وأنْ تُمَتِّعنا باللات سَنَةً، وأن تُحَرِّمَ وَادِيَنا كما حرمت مكة، فإذا قالت العَرَبُ‏:‏ لِمَ فَعَلْتَ‏؟‏ فقُل‏:‏ الله أَمَرَنِي بذلك‏.‏ فأبى عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وخيب سعيهم‏.‏ فالآية، على هذا، مدنية‏.‏ وقيل‏:‏ في قريش، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا نُمكنك من استلام الحجر، حتى تلمّ بآلهتنا، وتمسّها بيدك‏.‏ وقيل‏:‏ قالوا‏:‏ اقبل بعض أمرنا، نقبل بعض أمرك، والآية، حينئذ، مكية كجميع السورة‏.‏

‏{‏وإِذًا لاتخذوكَ خليلاً‏}‏ أي‏:‏ لو فعلت ما أرادوا منك لصرت لهم وليًا وحبيبًا، ولخرجت من ولايتي، ‏{‏ولولا أن ثبتناك‏}‏ على ما أنت عليه من الحق؛ بعصمتنا لك، ‏{‏لقد كِدتَ تركنُ إليهم شيئًا قليلاً‏}‏ من الركون، الذي هو أدنى ميل، أي‏:‏ لولا أن عصمناك، لقاربت أن تميل إليهم؛ لقوة خدعهم، وشدة احتيالهم‏.‏ لكن عصمتنا منعتك من المقاربة‏.‏ وهو صريح في أنه- عليه الصلاة والسلام- ما هَمَّ بإجابتهم، مع قوة الداعي إليها، ولا قارب ذلك‏.‏ وهو دليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه، قاله البيضاوي‏.‏ وفيه رد على ابن عطية، حيث قال‏:‏ قيل‏:‏ إنه هَمَّ بموافقتهم، لكن كان ذلك خطرة، والصواب‏:‏ عدم ذلك؛ لأن التثبيت والعصمة مانعٌ من ذلك‏.‏

وقد أجاد القشيري في ذلك، ونصه‏:‏ ضربنا عليكَ سرادقات العصمة، وآويناكَ في كنف الرعاية، وحفظناك عن خطر اتباع هواك، فالزَّلَلُ منك محال، والافتراءُ في نعتك غير موهوم، ولو جَنَحْتَ لحظةً إلى جانب الخلاف لَتَضَاعَفَتْ عليكَ شدائدُ البلاء؛ لكمالِ قَدْرِك وعُلُوِّ شأنك؛ فإنَّ كل مَنْ هو أعلى درجةً فَذَنْبُه- لو حصل- أشدُّ تأثيرًا‏.‏ ‏{‏ولولا أن ثبتناك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ لو وكلناك ونَفسَكَ، ورفعنا عنك ظِلَّ العصمة، لقاربت الإلمام بشيء مما لا يجوز من مخالفة أمرنا، ولكِنَّا أفردناك بالحفظ، بما لا تتقاصر عنكَ آثاره، ولا تَغْرُبُ عن ساحتك أنواره‏.‏ ‏{‏إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وضَعْف الممات‏}‏، هبوط الأكابر على قدر صعودهم‏.‏ ه‏.‏

‏{‏إِذًا‏}‏ أي‏:‏ لو قاربت أن تركن إليهم أدنى ركون ‏{‏لأذقناك ضِعف‏}‏ عذاب ‏{‏الحياة‏}‏ ‏{‏وضِعْفَ‏}‏ عذاب ‏{‏الممات‏}‏، أي‏:‏ مِثْلِيْ ما يُعَذِّبُ غيرك في الدنيا والآخرة؛ لأن خطأ الخطير أخطر‏.‏

وكأن أصل الكلام‏:‏ عذابًا ضعفًا في الحياة، وعذابًا ضعفًا في الممات، أي‏:‏ مضاعفًا، ثم حذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، ثم أضيفت إضافة موصوفها‏.‏ وقيل‏:‏ الضعف من أسماء العذاب‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بضعف الحياة‏:‏ عذاب الآخرة؛ لأن حياته دائمة، وبضعف الممات‏:‏ عذاب القبر‏.‏ ‏{‏ثم لا تجدُ لك علينا نصيرًا‏}‏ يدفع عنك العذاب‏.‏

‏{‏وإِن كادوا‏}‏ أي‏:‏ كاد أهل مكة ‏{‏لَيَسْتفزُّونك‏}‏؛ ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم ‏{‏من الأرض‏}‏ التي أنت فيها‏.‏ وهي‏:‏ أرض مكة، ‏{‏ليُخرِجوك منها وإِذًا لا يلبثون خِلافَكَ إِلاَّ قليلاً‏}‏؛ إلا زمنًا قليلاً‏.‏ وقد كان كذلك، فإنهم أُهلكوا ببدر بعد هجرته صلى الله عليه وسلم، وقيل‏:‏ نزلت في اليهود؛ فإنهم حَسَدوا مقام النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالوا‏:‏ الشام مقام الأنبياء، فإن كنت نبيًا فالحَقْ بها حتى نؤمن بك‏.‏ فوقع ذلك في قلبه صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالوا‏:‏ الشام مقام الأنبياء، فإن كنت نبيًا فالحَقْ بها حتى نؤمن بك‏.‏ فوقع ذلك في قلبه صلى الله عليه وسلم، فخرج من مرحلة، فَنَزَلت، فرَجَعَ صلى الله عليه وسلم، ثم قتل منهم بني قريظة، وأجلى بني النضير بقليل، ‏{‏سُنَّة مَن قد أرسلنا قَبلك من رُسلنا‏}‏ أي‏:‏ عادته تعالى‏:‏ أن يُهلك من أُخْرِجَتْ رسلهم من بين أظهرهم، فقد سنَّ ذلك في خلقه، وأضافها إلى الرسل؛ لأنها سُنت لأجلهم‏.‏ ‏{‏ولا تجد لسُنَّتنا تحويلاً‏}‏ أي‏:‏ تغييرًا وتبديلاً‏.‏

الإشارة‏:‏ من شأن العارف الكامل أن يأخذ بالعزائم، ويأمر بما يقتل النفوس، ويوصل إلى حضرة القدوس، وهو كل ما يثقل على النفوس، فإن أتاه من يفتنه ويرده إلى الهوى، حفظته العناية، واكتنفته الرعاية، فيقال له‏:‏ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك؛ وحي إلهام، لتفتري علينا غيره، فتأمر بالنزول إلى الرخص والتأويلات وإذًا لاتخذوك خليلاً‏.‏ ولولا أن ثبتناك؛ بالحفظ والرعاية، لقد كدت تركنُ إليهم شيئًا قليلاً، وهي‏:‏ خواطر تخطر ولا تثبت‏.‏ إذًا لأذقناك ضعف الحياة، وهو‏:‏ الذل والحرص والطمع‏.‏ وضعف الممات، وهو‏:‏ السقوط عن مقام المقربين، أهل الرَّوح والريحان‏.‏ وإن كادوا ليستفزونك من أرض العبودية، ليخرجوك منها إلى إظهار الحرية؛ من العز والجاه، وإذًا لا يلبثون خلافك ممن اتبعك إلا قليلاً؛ لأن من رجع إلى مباشرة الدنيا والحس قلَّ مدده، فيقل انتفاعه، فلا يتبعه إلا القليل‏.‏ هذه سُنة الله في أوليائه، ولن تجد لسنة الله تحويلاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏78- 79‏]‏

‏{‏أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ‏(‏78‏)‏ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ‏(‏79‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ الدلوك‏:‏ الميل‏.‏ واشتقاقه من الدَّلْك؛ لأن من نظر إليها حينئذ يدلك عينه‏.‏ واللام للتأقيت بمعنى‏:‏ عند‏.‏ و‏{‏قرآن‏}‏‏:‏ عطف على ‏{‏الصلاة‏}‏، أو منصوب بفعل مضمر، أي‏:‏ اقرأ قرآن لفجر، أو على الإغراء‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏أقم الصلاةَ لدلُوكِ‏}‏ أي‏:‏ عند زوال ‏{‏الشمس‏}‏، وهو إشارة إلى إقامة الصلوات الخمس، فدلوك الشمس‏:‏ زوالها؛ وهو إشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل‏:‏ ظلمته، وهو إشارة إلى المغرب والعشاء، ‏{‏وقرآنَ الفجر‏}‏؛ صلاة الصبح، وإنما عبَّر عن صلاة الصبح بقرآن الفجر؛ لأن القرآن يُقرأ فيها أكثر من غيرها؛ لأنها تُصلي بسورتين طويلتين، ثم مدحها بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ قرآن الفجر كان مشهودًا‏}‏؛ تشهده ملائكةُ الليل وملائكة النهار، أو‏:‏ يشهده الجم الغفير من المصلين، أو فيه شواهد القدرة؛ من تبدل الظلمة بالضياء، والنوم، الذي هو آخو الموت، بالانتباه‏.‏

ثم أمر بقيام الليل فقال‏:‏ ‏{‏ومن الليل‏}‏ أي‏:‏ بعض الليل ‏{‏فتهجدْ به‏}‏ أي‏:‏ اترك الهجود، الذي هو النوم فيه، للصلاة بالقرآن، ‏{‏نافلةً لك‏}‏ أي‏:‏ فريضة زائدة لك على الصلوات الخمس، أو فريضة زائدة لك؛ لاختصاص وجوبها بك، أو نافلة زائدة لك على الفرائض؛ غير واجبة‏.‏ وكأنه، لما أمر بالفرائض، أمر بعدها بالنوافل‏.‏ وتطوعه- عليه الصلاة والسلام-؛ لزيادة الدرجات، لا لجبر خلل أو تكفير ذنب؛ لأنه مغفور له ما تقدم وما تأخر‏.‏ و«من»‏:‏ للتبعيض، والضمير في «به»‏:‏ للقرآن‏.‏ والتهجد‏:‏ السهر، وهو‏:‏ ترك الهجود، أي‏:‏ النوم‏.‏ فالتفعل هنا للإزالة؛ كالتأثم والتحرج، لإزالة الإثم والحرج‏.‏

ثم ذكر ثوابه في حقه- عليه الصلاة والسلام- فقال‏:‏ ‏{‏عسى أنْ يبعثك ربك مقامًا محمودًا‏}‏ عندك وعند جميع الناس، وهي‏:‏ الشفاعة العظمى‏.‏ وفيه تهوين لمشقة قيام الليل‏.‏ رَوى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «المَقَام المحمُود هُوَ المَقَامُ الذي أَشْفَعُ فِيهِ لأمَّتِي» وقال ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ مقامًا محمودًا يحمده فيه الأولون والآخرون، ويشرف فيه على جميع الخلائق، يسأل فيُعطى، ويشفع فيُشَفَّع‏.‏ وعن حذيفة‏:‏ يُجْمع الناس في صعيد واحد، فلا تتكلم فيه نفس إلا بإذنه، فأول مدعو محمدٌ صلى الله عليه وسلم، فيقول‏:‏ «لبيك وسعديك‏.‏ والشر ليس إليك، والمَهدي من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت» ثم يأذن له في الشفاعة‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

وقال ابن العربي المعافري في أحكامه‏:‏ واخْتُلِفَ في وجه كون قيام الليل سببًا للمقام المحمود على قولين، فقيل‏:‏ إن البارئ تعالى يجعل ما يشاء من فضله سببًا لفضله، من غير معرفة منا بوجه الحكمة‏.‏

وقيل‏:‏ إن قيام الليل فيه الخلوة به تعالى، والمناجاة معه دون الناس، فيعطي الخلوة به والمناجاة في القيامة، فيكون مقامًا محمودًا، ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم‏.‏ وأجلُّهم فيه؛ درجةً‏:‏ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيعطى من المحامد ما لم يُعط قبل، ويُشَفَّع فيَشْفَع‏.‏ ه‏.‏ قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي‏:‏ وقد يقال‏:‏ إن ذلك مرتب على قوله‏:‏ ‏{‏أقم الصلاة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، ولا يخص بقيام الليل، والصلاةُ، مطلقًا مفاتحةٌ للدخول على الله ومناجاةٌ له، ولذلك جاء في حديث الشفاعة افتتاحه بأن «يخر ساجدًا حامدًا، فيؤذن حينئذ بالشفاعة»‏.‏ ومن تواضع رفعه الله‏.‏ ه‏.‏

الإشارة‏:‏ قوم اعتنوا بإقامة صلاة الجوارح، وهم‏:‏ الصالحون الأبرار، وقوم اعتنوا بإقامة صلاة القلوب، التي هي الصلاة الدائمة، وهم العارفون الكبار، وقوم اعتنوا بسهر الليل في الركوع والسجود، وهم العباد والزهاد والصالحون، أولو الجد والاجتهاد‏.‏ وقوم اعتنوا بسهره في فكرة العيان والشهود، وهم المقربون عند الملك الودود‏.‏ الأولون يُوفون أجرهم على التمام بالحور والولدان، والآخرون يُكشف لهم الحجاب ويتمتعون بالنظر على الدوام، الأولون محبون، والآخرون محبوبون، الأولون يشفعون في أقاربهم ومن تعلق بهم، والآخرون قد يشفع واحد منهم في أهل عصره‏.‏ وما ذلك على الله بعزيز‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏80- 81‏]‏

‏{‏وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ‏(‏80‏)‏ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ‏(‏81‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏وقل‏}‏ يا محمد‏:‏ ‏{‏ربِّ أَدْخلني‏}‏ في الأمور كلها ‏{‏مُدْخلَ صدقٍ‏}‏؛ بأن أدخل فيها بك لا بنفسي، ‏{‏وأَخرجني‏}‏ منها ‏{‏مُخرجَ صدقٍ‏}‏ كذلك، مصحوبًا بالفهم عنك، والإذن منك في إدخالي وإخراجي‏.‏ وقيل‏:‏ أدخلني قبري مدخل صدق راضيًا مرضيًا، وأخرجني منه عند البعث مخرج صدق، أي‏:‏ إخراجًا مرضيًا مُلقى بالكرامة‏.‏ فيكون تلقينًا للدعاء بما وعده من البعث، المقرون بالإقامة للمقام المحمود، التي لا كرامة فوقها‏.‏ وقيل‏:‏ المراد‏:‏ إدخال المدينة، والإخراج من مكة‏.‏ وقيل‏:‏ إدخاله- عليه الصلاة والسلام- مكة؛ ظاهرًا عليها، وإخراجه منها؛ آمنًا من المشركين‏.‏ وقيل‏:‏ إدخاله الغار، وإخراجه منه سالمًا‏.‏ وقيل‏:‏ إدخاله فيما حمله من أعباء الرسالة، وإخراجه منه مؤديًا حقه‏.‏ وقيل‏:‏ إدخاله في كل ما يلائمه من مكان أو أمر، وإخراجه منه بالحفظ والرعاية، بحيث يدخل بالله ويخرج بالله‏.‏ وهو الراجح كما قدمناه‏.‏

‏{‏واجعل لي من لدنك‏}‏ أي‏:‏ من مستبْطَن أمورك، ‏{‏سُلطانًا نصيرًا‏}‏ أي حجة ظاهرة، تنصرني على من يخالفني ويعاديني، أو‏:‏ عزًا ناصرًا للإسلام، مظهرًا له على الكفر‏.‏ فأجيبتْ دعوته- عليه الصلاة والسلام- بقوله‏:‏ ‏{‏فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 56‏]‏، ‏{‏لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ‏}‏ ‏[‏التّوبَة‏:‏ 33‏]‏، ‏{‏وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏النُّور‏:‏ 55‏]‏ الآية، وبقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون‏}‏ ‏[‏الصَّافات‏:‏ 171، 172‏]‏ الآية‏.‏ وذلك حين يظهر الحق، ويزهق الباطل، كما قال‏:‏ ‏{‏وقل جاء الحق‏}‏ أي‏:‏ الإسلام أو الوحي، ‏{‏وزهق الباطلُ‏}‏؛ ذهب، وهلك الكفر والشرك، وتسويلات الشيطان؛ ‏{‏إِنَّ الباطلَ‏}‏ كائنًا ما ‏{‏كان زهوقًا‏}‏ أي‏:‏ شأنه أن يكون مضمحلاً غير ثابت‏.‏ وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْح، وحَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائةٍ وَسِتُّون صَنَمًا، فَجَعَل يَطْعَنُ بمخْصَرةٍ كانت بيَده في عين كُل واحد، ويقول‏:‏ «جاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الباطِلُ»، فَيَنْكَبُّ لِوَجْهِهِ، حَتَّى أَلْقَى جمِيعها، وَبَقِيَ صَنَمُ خُزَاعَة فوْقَ الكَعْبَةِ، وكَانَ من صُفْرٍ، فقال‏:‏ «يا عَلِيُّ، ارْمِ بِهِ»؛ فصعَدَ إليه، ورَمَى به، فَكَسَرَهُ‏.‏ ه‏.‏

الإشارة‏:‏ إذا تمكن العارفون من شهود حضرة القدس ومحل الأنس، وصارت معشش قلوبهم؛ كان نزولهم إلى سماء الحقوق وأرض الحظوظ بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين‏.‏ فلم ينزلوا إلى سماء الحقوق بسوء الأدب والغفلة، ولا إلى أرض الحظوظ بالشهوة والمتعة، بل دخلوا في ذلك بالله ولله، ومن الله وإلى الله، كما في الحكم‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق‏}‏؛ ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني، وانقيادي إليك إذا أخرجتني‏.‏ ‏{‏واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا‏}‏ ينصرني ولا ينصر عليّ، ينصرني على شهود نفسي، حتى أغيب عنها وعن متعتها وهواها، ويفنيني عن دائرة حسي، حتى تتسع عليّ دائرة المعاني عندي، وأفضي إلى فضاء الشهود والعيان، فحينئذ يَزهق الباطل، وهو ما سوى الله، ويجيء الحق، وهو وجود الحق وحده، فأقول حينئذ‏:‏ ‏{‏وقل جاء الحق وزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كان زهوقًا‏}‏، وإنما أثبته الوهم والجهل، وإلا فلا ثبوت له؛ ابتداء وانتهاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏82‏]‏

‏{‏وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ‏(‏82‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏من‏}‏‏:‏ للبيان، قدمت على المُبيّن؛ اعتناء، فالقرآن كله شفاء‏.‏ وقيل‏:‏ للتبعيض، والمعنى‏:‏ أن منه ما يشفي من المرض الحسي، كالفاتحة وآية الشفاء، ومن المرض المعنوي، كآيات كثيرة‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ونُنزِّلُ من القرآنِ ما هو شفاءٌ‏}‏ لما في الصدور، ومن سقام الريب والجهل، وأدواء الأوهام والشكوك، ‏{‏ورحمة للمؤمنين‏}‏ به، العالِمين بما احتوى عليه من عجائب الأسرار وغرائب العلوم، المستعملين أفكارهم وقرائحهم في الغوص على درره ويواقيته، أي‏:‏ وننزل ما هو تقويم دينهم واستصلاح نفوسهم، ورفع الأوهام والشكوك عنهم، كالدواء الشافي للمرض، وعن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من لم يستشف بالقرآن لا شفاه الله» ‏{‏ولا يزيدُ الظالمين‏}‏؛ الكافرين المكذبين، الواضعين الأشياء في غير محلها، مع كونه في نفسه شفاء من الأسقام، ‏{‏إلا خسارًا‏}‏؛ إلا هلاكًا بكفرهم وتكذيبهم به‏.‏ ولا يفسر الخسران هنا بالنقصان؛ فإن ما بهم من داء الكفر والضلال حقيق بأن يُعبّر عنه بالهلاك، لا بالنقصان المنبئ عن حصول بعض مبادئ الإسلام، فهم في الزيادة في مراتب الهلاك، من حيث إنهم، كلما جدّدوا الكفر والتكذيب بالآيات النازلة ازدادوا بذلك هلاكًا‏.‏

وفيه إيماء إلى أن ما بالمؤمنين من الشُّبَه والشكوك المعترية لهم في أثناء الاهتداء والاسترشاد، بمنزلة الأمراض، وما بالكفرة؛ من الجهل والعناد بمنزلة الموت والهلاك، وإسناد زيادة الخسران إلى القرآن، مع أنهم هم المزدادون في ذلك بسوء صنيعهم؛ باعتبار كونه سببًا لذلك، حيث كذَّبوا به، وفيه تعجيب من أمره؛ حيث جعله مدار الشفاء والهلاك‏.‏ قاله أبو السعود‏.‏

الإشارة‏:‏ لا يحصل الاستشفاء بالقرآن إلا بعد التصفية والتطهير للقلب، بالتخلية والتحلية، على يد شيخ كامل، عارف بأدواء النفوس، حتى يتفرغ القلب من الأغيار والأكدار، ويذهب عنه وساوس النفوس وخواطر القلوب؛ ليتفرغ لسماع القرآن والتدبر في معانيه‏.‏ وأما إن كان القلب محشوًا بصور الأكوان، مصروفًا إلى الخواطر والأغيار، لا يذوق له حلاوة، ولا يدري ما يقول، فلا يهتدي لما فيه من الشفاء، إذ لا يستشفي بالقرآن إلا من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد‏.‏ ولأجل ذلك كان من شأن شيوخ التربية أن يأمروا المريد بالذكر المجرد، حتى تُشرق عليه أنواره، وتذهب به عنه أغياره‏.‏ وحينئذ يأمره بتلاوة القرآن؛ ليذوق حلاوته، فإذا كمل تطهيره، تمتع بحلاوة شهود المتكلم، فيسمعه من الحق بلا واسطة، وهو المراد بالرحمة المذكورة بعد الشفاء‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏83- 84‏]‏

‏{‏وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ‏(‏83‏)‏ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ‏(‏84‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏وإٍذا أنعمنا على الإِنسان‏}‏‏:‏ بالصحة والعافية والنعمة، ‏{‏أعرضَ‏}‏ عن ذكرنا، فضلاً عن القيام بالشكر، ‏{‏ونَأى‏}‏ أي‏:‏ تباعد ‏{‏بجانبه‏}‏؛ لوى عطفه وبعد بنفسه‏.‏ فالنأي بالجانب‏:‏ أن يلوي عن الشيء عِطفَه ويوليه عُرض وجهه، فهو تأكيد للإعراض‏.‏ أو عبارة عن التكبر؛ لأنه من ديدن المستكبرين، ‏{‏وإِذا مسَّه الشرُّ‏}‏؛ من فقر، أو مرض، أو نازلة من النوازل، ‏{‏كان يؤوسًا‏}‏؛ شديد اليأس من روحنا وفرجنا‏.‏ وفي إسناد المسِّ إلى الشر، بعد إسناد الإنعام إلى ضمير الجلالة؛ إيذان بأن الخير مراد بالذات، والشر ليس كذلك‏.‏ وهذا الوصف المذكور هنا هو وصف للإنسان باعتبار بعض أفراده ممن هو على هذا الوصف، ولا ينافيه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ‏}‏ ‏[‏فُصّلَت‏:‏ 51‏]‏، ونظائره؛ فإن ذلك في نوع آخر من جنس الإنسان‏.‏ وقيل‏:‏ أريد به الوليد بن المغيرة‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُل كلٌّ‏}‏ أي‏:‏ كل واحد منكم وممن هو على خلافكم ‏{‏يعملُ على شاكلته‏}‏؛ على طريقته التي تُشاكل حاله من الهُدى والضلالة، ‏{‏فربُّكم أعلم بمن هو أَهدى سبيلاً‏}‏ أي‏:‏ فربكم، الذي يراكم على هذه الأحوال والطرق، أعلم بمن هو أسَدْ طريقًا وأبين منهاجًا‏.‏ وقد فسرت الشاكلة أيضًا بالطبيعة والعادة والدين والنية‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ ينبغي للمؤمن المشفق على نفسه أن يمعن النظر في كلام سيده، فإذا وجده مدَحَ قومًا بعمل، بادر إلى فعله، أو بوصف، بادر إلى التخلق به، وإذا وجده ذم قومًا، بسبب عمل، تباعد عنه جهده، أو بوصف تطهر منه بالكلية‏.‏ وقد ذم الحق تعالى هنا من بطر بالنعمة وغفل عن القيام بشكرها، ومن جزع عند المصيبة وأيس من ذهابها، فليكن المؤمن على عكس هذا، فإذا أصابته مصيبة أو بلية تضرع إلى مولاه، ورجى فضله ونواله، وإذا أصابته نعمة دنيوية أو دينية أكثر من شكرها، وشهد المنعم بها في أخذها وصرفها، ولا سيما نعمة الإيمان والمعرفة، وتصفية الروح من غبش الحس والوهم، حتى ترجع لأصلها، الذي هو سر من أسرار الله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏85‏]‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏85‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ويسألونك عن الروح‏}‏ أي‏:‏ عن حقيقة الروح، الذي هو مدبر البدن الإنساني، ومبدأ حياته‏.‏ رُوي أن اليهود قالوا لقريش‏:‏ سلوه عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن أجاب عنها كلها أو سكت فليس بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي‏.‏ فبيَّن لهم القصتين وأبهم أمر الروح، وهو مبهم في التوراة، فقال‏:‏ ‏{‏قل الروح من أمر ربي‏}‏، أظهر في مقام الإضمار؛ إظهارًا لكمال الاعتناء بشرفه، أي‏:‏ هو من جنس ما استأثر الله بعلمه من الأسرار الخفية، التي لا يكاد يحوم حولها عقولُ البشر‏.‏ ‏{‏وما أُوتيتم من العلم إِلا قليلاً‏}‏ لا يمكن تعلقه بأمثال هذه الأسرار‏.‏

رُوِيَ أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك، قالوا‏:‏ نحن مختصون بهذا الخطاب، قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ «بل نحن وأنتم»‏.‏ فقالوا‏:‏ ما أعجب شأنك، ساعة تقول‏:‏ ‏{‏وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً‏}‏ ‏[‏البَقَرَة‏:‏ 269‏]‏، وتارة تقول هذا، فنزلت‏:‏ ‏{‏قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 109‏]‏ الآية‏.‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 27‏]‏ الآية‏.‏ وهذا من ركاكة عقولهم؛ فإن من الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير ما تسعه الطاقة البشرية، بل ما نيط به المعاش والمعاد، وذلك بالإضافة إلى ما لا نهاية له من متعلقات علمه سبحانه، قليل ينال به خير‏:‏ كثير في نفسه‏.‏

وقال ابن حجر‏:‏ أخرج الطبراني عن ابن عباس أنهم قالوا‏:‏ أخبرنا عن الروح، وكيف تُعذب الروح في الجسد، وإنما الروح من الله‏؟‏‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ يُجاب بأنها لما برزت لعالم الشهادة لحقتها العبودية، وأحاطت به القهرية‏.‏ وقال القشيري‏:‏ أرادوا أن يُغالطُوه فيما به يجيب، فأمَرَه أن ينطق بأمرٍ يُفْصِحُ عن أقسامِ الروح، لأنَّ ما يُطْلَقُ عليه لفظ «الروح» يدخل تحت قوله‏:‏ ‏{‏قل الروح من أمر ربي‏}‏، ثم قال‏:‏ وفي الجملة‏:‏ الروح مخلوقة، والحق أجرى العادة بأن يخلق الحياة للعبد، ما دام الروح في جسده، والروح لطيفة تَقرب للكثافة في طهارتها ولطافتها‏.‏ وهي مخلوقة قبل الأجساد بألوفٍ من السنين‏.‏ وقيل‏:‏ إن أدركها التكليف، كان للروح صفاء التسبيح، ضياء المواصلة، ويُمن التعريف بالحق‏.‏ ه‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالروح خلق عظيم روحاني من أعظم الملائكة، وقيل جبريل عليه السلام، وقيل‏:‏ القرآن‏.‏ ومعنى ‏{‏من أمر ربي‏}‏؛ من وحيه وكلامه، لا من كلام البشر‏.‏ والله تعالى أعلم بمراده‏.‏

الإشارة‏:‏ قد أكثر الناسُ الكلام في شأن الروح، فرأى بعضهم أن الإمساك عنها أولى؛ لأن الرسول- عليه الصلاة والسلام- لم يجب عنها‏.‏ وبيَّن الحق تعالى أنها من أمر الله وسر من أسراره‏.‏ ورأى بعضهم أن النهي لم يرد عن الخوض فيها صريحًا، فتكلم على قدر فهمه‏.‏

فقال بعضهم‏:‏ حقيقة الروح‏:‏ جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأرطب، وقال صاحب ‏(‏الرموز في فتح الكنوز‏)‏ على حديث‏:‏ «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» قد ظهر لي من سر هذا الحديث ما يجب كشفه ويستحسن وصفه، وهو‏:‏ أن الله، سبحانه، وضع هذا الروح في هذه الجثة الجثمانية، لطيفة لاهوتية، في كثيفة ناسوتية، دالة على وحدانيته تعالى وربانيته، ووجه الاستدلال من عشرة أوجه‏:‏

الأول‏:‏ أن هذا الهيكل الإنساني لَمَّا كان مفتقرًا إلى محرك ومدبر، وهذا الروح هو الذي يدبره ويحركه، علمنا أن هذا العالم لا بد له من محرك ومدبر‏.‏ الثاني‏:‏ لَمَّا كان مدبر الجسد واحدًا؛ علمنا أن مدبر هذا العالم واحد لا شريك له في تدبيره وتقديره‏.‏ قال تعالى ‏{‏لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 22‏]‏، الثالث‏:‏ لَمَّا كان لا يتحرك هذا الجسم إلا بتحريك الروح وإرادته؛ علمنا أنه لا يتحرك بخير أو شر إلا بتحريك الله وقدرته وإرادته‏.‏ الرابع‏:‏ لَمَّا كان لا يتحرك في الجسد شيء إلا بعلم الروح وشعورها، لا يخفي على الروح من حركة الجسد شيء، علمنا أنه تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء‏.‏ الخامس‏:‏ لَمَّا كان هذا الجسد لم يكن فيه شيء أقرب إلى الروح من شيء؛ علمنا أنه تعالى قريب إلى كل شيء، ليس شيء أقرب إليه من شيء، ولا شيء أبعد إليه من شيء، لا بمعنى قرب المسافة؛ لأنه منزه عن ذلك‏.‏ السادس‏:‏ لَمَّا كان الروح موجودًا قبل الجسد، ويكون موجودًا بعد عدمه؛ علمنا أنه تعالى موجود قبل خلقه، ويكون موجودًا بعد عدمهم، ما زال، ولا يزال، وتقدس عن الزوال‏.‏ السابع‏:‏ لَمَّا كان الروح في الجسد لا تعرف له كيفية؛ علمنا أنه تعالى مقدس عن الكيفية‏.‏ الثامن‏:‏ لَمَّا كان الروح في الجسد لا تعرف له كيفية ولا أينية، بل الروح موجود في سائر الجسد، ما خلا منه شيء في الجسد‏.‏ كذلك الحق سبحانه موجود في كل مكان، وتنزه عن المكان والزمان التاسع‏:‏ لَمَّا كان الروح في الجسد لا يحس ولا يجس ولا يُمس، علمنا أنه تعالى منزه عن الحس والجس والمس‏.‏ العاشر‏:‏ لَمَّا كان الروح في الجسد لا يُدرك بالبصر، ولا يمثل بالصور، علمنا أنه تعالى لا تُدركه الأبصار، ولا يمثل بالصور والآثار، ولا يشبه بالشموس والأقمار، ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏‏.‏ ه‏.‏ وحديث‏:‏ «من عرف نفسه‏.‏‏.‏‏.‏» الخ، قال النووي‏:‏ غير ثابت، وقال السمعاني‏:‏ هو من كلام يحيى بن معاذ الرازي‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

وسئل أبو سعيد الخراز عن الروح، أمخلوقة هي‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ ولولا ذلك لما أقرت بالربوبية حتى قالت‏:‏ «بلى»‏.‏

قلت‏:‏ لما انفصلت عن الأصل كستها أردية العبودية، فأقرت بالربوبية‏.‏ وقال الورتجبي‏:‏ الروح‏:‏ شعاع الحقيقة، يختلف آثارها في الأجساد‏.‏ قال‏:‏ ومن خاصيتها أنها تميل إلى كل حسن ومستحسن، وكل صوت طيب، وكل رائحة طيبة؛ لحسن جوهرها وروح وجودها، ظاهرها غيب الله، وباطنها سر الله، مصورة بصورة آدم‏.‏ فإذا أراد الله خلق آدمي أحضر روحه، فصور صورته بصورة الروح؛ فلذلك قال عليه الصلاة والسلام؛ إشارة وإبهامًا‏:‏ «خلق الله آدم على صورته» ه‏.‏ قلت‏:‏ يعني‏:‏ أن إظهار الروح من بحر الجبروت، في التجلي الأول، كان على صورة آدم، ثم خلق آدم على صورة الروح الأعظم، وهو التجلي الأول من بحر المعاني، فكانت أول التجليات من ذات الرحمن، فقال في حديث آخر‏:‏ «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» والله تعالى أعلم‏.‏ وقيل‏:‏ الصوت الطيب روحاني، ولتشاكله مع الروح، صار يهيج الروح ويحثها للرجوع لأصلها، إذا كان صاحبها له ذوق سليم، يسمع من صوت طيب كريم‏.‏ سمع أبو يزيد نغمة، فقال‏:‏ أجد النغم نداء منه تعالى‏.‏ وقيل‏:‏ إن الروح لم تدخل في جسد آدم إلا بالسماع، فصارت لا تخرج من سجنه إلا بالسماع‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏86- 89‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا ‏(‏86‏)‏ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ‏(‏87‏)‏ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ‏(‏88‏)‏ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ‏(‏89‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ قال ابن جزي‏:‏ هذه الآية متصلة المعنى بقوله‏:‏ ‏{‏وما أُوتيتم من العلم إلا قليلاً‏}‏ أي‏:‏ في قدرتنا أن نذهب بالذي أوحينا إليك، فلا يبقى عندكم شيء من العلم‏.‏ ه‏.‏ ‏{‏إلا رحمة‏}‏‏:‏ يحتمل أن يكون متصلاً، أي‏:‏ لا تجد من يتوكل برده إلا رحمة ربك‏.‏ أو منقطعًا، أي‏:‏ لو شئنا لذهبنا بالقرآن، لكن رحمة من ربك تمسكه من الذهاب، و‏{‏لا يأتون‏}‏‏:‏ جواب القسم؛ الدال عليه اللام الموطئة، وسد مسد جواب الشرط‏.‏ ولولا اللام لكان جوابًا للشرط، ولم يُجزَمْ؛ لكون الشرط ماضيًا، كقول زهير‏:‏

فإن أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسألَةٍ *** يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَا لي وَلاَ حَرَمُ

و ‏{‏إلا كفورًا‏}‏‏:‏ استثناء مفرغ منصوب بأَبَى؛ لأنه في معنى النفي، أي‏:‏ ما رضي أكثرهم إلا الكفر به‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ولئنْ شئنا لنَذْهَبَنَّ بالذي أوْحَينا إِليك‏}‏ أي‏:‏ بالقرآن الذي هو منبع العلوم التي أُوتيتموها، ومقتبس الأنوار، فلا يبقى عندكم من العلم إلا قليلاً‏.‏ والمراد بالإذهاب‏:‏ المحو من المصاحف والصدور‏.‏ وعن ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ ‏(‏أول ما تفقدون من دينكم‏:‏ الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، وليصلين قوم ولا دين لهم‏.‏ وإن هذا القرآن تصبحون يومًا وما فيكم منه شيء‏.‏ فقال رجل‏:‏ كيف ذلك، وقد أثبتناه في قلوبنا، ودونّاه في مصاحفنا، وعلمناه أبناءنا، وأبناؤنا يعلمه أبناءهم‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ يسري عليه، ليلاً، فيُصبح الناس منه فقراء، ترفع المصاحف، وينزع ما في القلوب‏)‏‏.‏ ‏{‏ثم‏}‏ إن رفعناه ‏{‏لا تجدُ لك به‏}‏ أي‏:‏ القرآن ‏{‏علينا وكيلاً‏}‏ أي‏:‏ من يتوكل علينا استرداده مسطورًا محفوظًا، ‏{‏إلا رحمةً من ربك‏}‏؛ فإنها إن تأتك لعلها تسترده، أو‏:‏ لكن رحمة من ربك أمسكته؛ فلم يذهب‏.‏ ‏{‏إِنَّ فضله كان عليك كبيرًا‏}‏، كإرْسالك للناس كافة وإنزال الكتاب عليك، وإنعامه في حفظك، وغير ذلك مما لا يحصى‏.‏

ثم نوّه بقدر الكتاب الذي أنزله فقال‏:‏ ‏{‏قل لئن اجتمعت الإِنسُ والجِنُّ‏}‏، واتفقوا ‏{‏على أن يأتوا بمثْلِ هذا القرآنِ‏}‏ المنعوت بما لا تدركه العقول من النعوت الجليلة في البلاغة، وحسن النظم، وكمال المعنى، ‏{‏لا يأتون بِمثله‏}‏ أبدًا؛ لما تضمنه من العلوم الإلهية، والبراهين الواضحة، والمعاني العجيبة، التي لم يكن لأحد بها علم، ثم جاءت فيه على الكمال، ولذلك عجزوا عن معارضته‏.‏ وقال أكثر الناس‏:‏ إنما عجزوا عنه؛ لفصاحته، وبراعته، وحسن نظمه‏.‏ ووجوه إعجازه كثيرة‏.‏ وإنما خص الثقلين بالذكر، لأن المنكر كونه من عند الله منهما، لا لأنَّ غيرهما قادر على المعارضة‏.‏ وإنما أظهر في محل الإضمار، ولم يقل‏:‏ لا يأتون به؛ لئلا يتوهم أن له مثلاً معينًا، وإيذانًا بأن المراد نفي الإتيان بمثَلٍ مَّا، أي‏:‏ لا يأتون بكلام مماثل له فيما ذكر من الصفات البديعة، وفيهم العرب العاربة، أرباب البراعة والبيان‏.‏

فلا يقدرون على الإتيان بمثله ‏{‏ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيرًا‏}‏ أي‏:‏ ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان بمثله ما قدروا‏.‏ وهو عطف على مقدر، أي‏:‏ لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرًا لبعض، ولو كان‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏ ومحله النصب على الحالية، أي‏:‏ لا يأتون بمثله على كل حال مفروض، ولو على هذه الحالة‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد صَرَّفنا‏}‏ أي‏:‏ كررنا ورددنا على أنحاء مختلفة، توجب زيادة تقرير وبيان، ووكادة رسوخ واطمئنان، ‏{‏للناس في هذا القرآن‏}‏ المنعوت بما ذكر من النعوت الفاضلة، ‏{‏من كل مَثَلٍ‏}‏؛ من كل معنى بديع، هو، في الحسن والغرابة واستجلاب الأنفس، كالمثل؛ ليتلقوه بالقبول، أو بيَّنَّا لهم كل شيء محتاجون إليه من العلوم النافعة، والبراهين القاطعة، والحجج الواضحة‏.‏ وهذا يدل على أن إعجاز القرآن هو بما فيه من المعاني والعلوم، ‏{‏فَأَبَى أكثرُ الناس إِلا كُفورًا‏}‏؛ إلا جحودًا وامتناعًا من قبوله‏.‏ وفيه من المبالغة ما ليس في نفي مطلق الإيمان؛ لأن فيه دلالة على أنهم لم يرضوا بخصلة سوى الكفور والجحود، وأنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبة الإباء‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

الإشارة‏:‏ كما وقع التخويف بإذهاب خصوصية النبوة والرسالة، يقع التخويف بإذهاب خصوصية الولاية والمعرفة العيانية، فإن القلوب بيد الله، يُقلبها كيف يشاء‏.‏ والخصوصية أمانة مودعة في القلوب، فإذا شاء رفعها رفَعها، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره‏.‏ وما زالت الأكابر يخافون من السلب بعد العطاء، ويشدون أيديهم على الأدب؛ لأن سوء الأدب هو سبب رفع الخصوصية، والعياذ بالله‏.‏

قال القشيري‏:‏ سُنَّةُ الحقِّ مع خيار خواصه؛ أن يُدِيم هم شهود افتقارهم إليه؛ ليكونوا في جميع الأحوال مُنْقادين بجريانِ حُكْمِه، ثم قال‏:‏ والمرادُ والمقصودُ‏:‏ إدامة تَفَرُّدِ سِرِّ حبيبه به، دونَ غيره‏.‏ ه‏.‏ وأما سلب الأولياء بعضهم لبعض فلا يكون في خصوصية المعرفة بعد التمكين، إذ لا مانع لما أعطى الكريم، وإنما يكون في خصوصية التصريف وسر الأسماء، إذا كان أحدهما متمكنًا فيه، وقابل من لم يتمكن، قد ينجذب إلى القوى بإذن الله، وقد يُزال منه إذا طغى به‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏90- 96‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ‏(‏90‏)‏ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا ‏(‏91‏)‏ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ‏(‏92‏)‏ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ‏(‏93‏)‏ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ‏(‏94‏)‏ قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا ‏(‏95‏)‏ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ‏(‏96‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ من قرأ «كسفًا»؛ بالتحريك‏:‏ فهو جمع‏.‏ ومن قرأ بالسكون‏:‏ فمفرد‏.‏ و‏{‏قبيلاً‏}‏‏:‏ حال من «الله»‏.‏ وحذف حال الملائكة؛ لدلالة الأول عليه‏.‏ و‏{‏أن يؤمنوا‏}‏‏:‏ مفعول ثان لمنَع‏.‏ و‏{‏إلا أن قالوا‏}‏‏:‏ فاعل «منع»‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏وقالوا‏}‏ أي‏:‏ كفار قريش، عند ظهور عجزهم، ووضوح مغلوبيتهم بالإعجاز التنزيلي، وغيره من المعجزات الباهرة، معلِّلين بما لا يمكن في العادة وجوده، ولا تقتضي الحكمة وقوعه، من الأمور الخارقة للعادة، كما هو ديدن المبهوت المحجوج، قالوا للنبي- عليه الصلاة والسلام- في جمع من أشرافهم‏:‏ إن مكة قليلة الماء، ففجر لنا فيها عينًا من ماء، وهو معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لن نُؤمن لك حتى تَفْجُرَ لنا من الأرض‏}‏؛ أرض مكة ‏{‏يَنْبوعًا‏}‏؛ عينًا لا ينشف ماؤها‏.‏ وينبوع‏:‏ يفعول، من نبع الماء إذا خرج‏.‏

‏{‏أو تكون لك جنَّةٌ‏}‏ أي‏:‏ بستان يستر أشجاره ما تحتها من العرصة، ‏{‏من نخيلٍ وعِنَبٍ فتفجرَ الأنهارَ‏}‏ أي‏:‏ تجريها بقوة، ‏{‏خلالها‏}‏؛ في وسطها ‏{‏تفجيرًا‏}‏ كثيرًا، والمراد‏:‏ إما إجراء الأنهار خلالها عند سقيها، أو إدامة إجرائها، كما ينبئ عنه «الفاء»، ‏{‏أو تُسْقِطَ السماء كما زعمتَ علينا كِسَفًا‏}‏؛ قطعًا متعددة، أو قطعًا واحدًا، و‏{‏كما زعمت‏}‏‏:‏ يعنون بذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السمآء‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 9‏]‏، ‏{‏أو تأتي بالله والملائكة قَبيلاً‏}‏ أي‏:‏ مقابلاً؛ نُعاينه جهرًا، أو ضامنًا وكفيلاً يشهد بصحة ما تدعيه، ‏{‏أو يكون لك بيتٌ من زُخرفٍ‏}‏ أي‏:‏ ذهب‏.‏ وقرئ به‏.‏ وأصل الزخرفة‏:‏ الزينة، ‏{‏أو تَرْقَى في السماء‏}‏ أي‏:‏ في معارجها؛ فحذف المضاف‏.‏ ‏{‏ولن نُؤمن لرُقيك‏}‏ أي‏:‏ لأجل رُقيك فيها وحده ‏{‏حتى تنزل‏}‏ منها ‏{‏علينا كتابًا‏}‏ فيه تصديقك، ‏{‏نقرؤه‏}‏ نحن، من غير أن يتلقى من قبلك‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ قال عَبْدُ اللهِ بنُ أُميَّة لرسول صلى الله عليه وسلم- وكان ابن عمته-‏:‏ لن أؤمن لكَ حَتَّى تتَّخذَ إلى السماء سُلَّمًا، ثم ترقى فيه وأنا أنظر، حتَّى تأتيها، وتأتي معك بصك منشور، معه أربعة من الملائِكَةِ يَشْهَدُونَ أنك كما تقول‏.‏ ه‏.‏ ثم أسلم عبد الله بعد ذلك‏.‏ ولم يقصدوا بتلك الاقتراحات الباطلة إلا العناد واللجاج‏.‏ ولو أنهم أوتوا أضعاف ما اقترحوا من الآيات، ما زادهم ذلك إلا مكابرة‏.‏ وإلا فقد يكفيهم بعض ما شهدوا من المعجزات، التي تخر لها صُم الجبال‏.‏

قال تعالى لنبيه- عليه الصلاة والسلام-‏:‏ ‏{‏قلْ‏}‏؛ تعجبًا من شدة شكيمتهم‏.‏ وفي رواية «قال»‏:‏ ‏{‏سبحان ربي‏}‏؛ تنزيهًا له من أن يتحكم عليه أو يشاركه أحد في قدرته‏.‏

أو تنزيهًا لساحته- سبحانه- عما لا يليق بها، من مِثل هذه الاقتراحات الشنيعة، التي تكاد السماوات يتفطرن منها، أو عن طلب ذلك، تنبيهًا على بطلان ما قالوه، ‏{‏هل كنتُ إِلا بشرًا‏}‏ لا مَلَكًا، حتى يتصور مني الرقي في السماء ونحوه، ‏{‏رسولاً‏}‏؛ مأمورًا من قِبل ربي بتبليغ الرسالة، كسائر الرسل‏.‏ وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله على أيديهم، حسبما يلائم حال قومهم، ولم يكن أمر الآيات إليهم، ولا لهم أن يتحكموا على ربهم بشيء منها‏.‏

‏{‏وما مَنَعَ الناسَ‏}‏ أي‏:‏ الذين حكِيتْ أباطيلهم، ‏{‏أنْ يُؤمنوا إِذ جاءهم الهُدى‏}‏ أي‏:‏ الوحي، وهو ظرف لمنع، أو يؤمنوا، أي‏:‏ وما منعهم وقت مجيء الوحي المقرون بالمعجزات المستدعية للإيمان، أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك، ‏{‏إلا أن قالوا‏}‏ أي‏:‏ إلا قولهم‏:‏ ‏{‏أَبَعثَ اللهُ بشرًا رسولاً‏}‏، منكرين أن يكون الرسول من جنس البشر‏.‏ وليس المراد أن هذا القول صدر من بعضهم؛ فمنع بعضًا آخر منهم، بل المانع هو الاعتقاد الشامل للكل، المستتبع بهذا المقول منهم‏.‏ وإنما عبَّر عنه بالقول؛ إيذانًا بأنه مجرد قول يقولونه بأفواههم من غير روية، ولا مصداق له في الخارج‏.‏ وقصر المانع من الإيمان فيما ذكر، مع أن لهم موانع شتى، إما لأنه معظمها، أو لأنه المانع بحسب الحال، أعني‏:‏ عند سماع الجواب بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هل كنتُ إِلا بشرًا رسولاً‏}‏؛ إذ هو الذي يتشبثون به حينئذ، من غير أن يخطر ببالهم شبهة أخرى من شبههم الواهية‏.‏

‏{‏قلْ‏}‏ لهم من قِبَلنا؛ تثبيتًا للحكمة، وتحقيقًا للحق المزيح للريب‏:‏ ‏{‏لو كان‏}‏ أي‏:‏ لو وُجد واستقر ‏{‏في الأرض‏}‏؛ بدل البشر ‏{‏ملائكةً يمشونَ مطمئنين‏}‏ قارين ساكنين فيها، ‏{‏لنزَّلنا عليهم من السماء مَلكًا رسولاً‏}‏ يهديهم إلى الحق؛ لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه‏.‏ وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضة مع الملائكة؛ لأنها منوطة بالتناسُب والتجانس، فبعث الملائكة إليهم مناقض للحكمة التي يدور عليها أمر التكوين والتشريع‏.‏ وإنما يبعث الملك إلى الخواص، المختصين بالنفوس الزكية، المؤيدة بالقوة القدسية، فيتلقون منهم ويُبلغون إلى البشر‏.‏

‏{‏قل كفى بالله‏}‏ وحده ‏{‏شهيدًا‏}‏ على أني أديتُ ما عليَّ من مواجب الرسالة، وأنكم فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعناد‏.‏ فهو شهيد ‏{‏بيني وبينكم‏}‏، وكفى به شهيدًا، ولم يقل‏:‏ بيننا؛ تحقيقًا للمفارقة، وإبانة للمباينة، ‏{‏إِنه كان بعباده‏}‏ من الرسل والمرسل إليهم، ‏{‏خبيرًا بصيرًا‏}‏؛ محيطًا بظواهر أعمالهم وبواطنها، فيجازيهم على ذلك‏.‏ وهو تعليل للكفاية‏.‏ وفيه تسلية للرسول- عليه الصلاة والسلام- وتهديد للكفار، والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ طلب الكرامات من الأولياء جهل بطريق الولاية، وسوء الظن بهم، إذ لا يشترط في تحقيق الولاية ظهور الكرامة، وأيُّ كرامة أعظم من كشف الحجاب بينهم وبين محبوبهم، حتى عاينوه وشاهدوه حقًا، وارتفعت عنهم الشكوك والأوهام، وصار شهود الحق عندهم ضروريًا، ووجود السِّوَى محالاً ضروريًا، فلا كرامة أعظم من هذه‏؟‏ وكلامنا مع العارفين، وأما الصالحون والعباد والزهاد فهم محتاجون إلى الكرامة؛ ليزداد إيقانهم، وتطمئن نفوسهم؛ إذ لم يرتفع عنهم الحجاب، ولم تنقشع عنهم سحابة الأثر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏97- 98‏]‏

‏{‏وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ‏(‏97‏)‏ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ‏(‏98‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏على وجوههم‏}‏‏:‏ حال من ضمير «نحشرهم»‏.‏ و‏{‏عُميًا‏}‏ الخ‏:‏ حال أيضًا من ضمير «وجوههم»‏.‏ و‏{‏مأواهم‏}‏‏:‏ استئناف، وكذا‏:‏ ‏{‏كلما‏}‏ الخ‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ومَن يَهدِ اللهُ‏}‏ إلى الحق الذي جاء من قبله على أيدي الرسل، ‏{‏فهو المهتد‏}‏ إليه، وإلى ما يؤدي إليه من الثواب، أو فهو المهتدي إلى كل مطلوب، ‏{‏ومن يُضلل‏}‏ أي‏:‏ يخلق فيه الضلال، كهؤلاء المعاندين، ‏{‏فلن تجد لهم أولياء من دونه‏}‏ ينصرونهم من عذابه، أو يُهدونهم إلى طريقه، ويُوصلونهم إلى مطالبهم الدنيوية والأخروية‏.‏ ووحد الضمير أولاً في قوله‏:‏ ‏{‏فهو المهتد‏}‏‏:‏ مراعاة للفظ «من»، وجمع ثانيًا في ‏{‏لهم‏}‏؛ مراعاة لمعناها‏:‏ تلويحًا بوحدة طريق الحق، وتعدد طرق الضلال‏.‏

‏{‏ونحشرُهم‏}‏، فيه التفات من الغيبة إلى التكلم؛ إيذانًا بكمال الاعتناء بأمر الحشر، أي‏:‏ ونسوقهم ‏{‏يوم القيامة على وجوههم‏}‏ أي‏:‏ كابين عليها؛ سَحْبًا، كقوله ‏{‏يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 48‏]‏، أو‏:‏ مشيًا إلى المحشر بعد القيام، فقد رُوي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ كيف يمشون على وجوههم‏؟‏ قال‏:‏ «الذِي أمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ» حال كونهم ‏{‏عُمْيًا وبُكمًا وصُمًّا‏}‏؛ لا يُبصرون ما يقر أعينهم، ولا ينطقون بما يُقبل منهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم، لمَّا كانوا في الدنيا لا يستبصرون بالآيات والعبر، ولا ينطقون بالحق ولا يستمعونه‏.‏ ويجوز أن يُحشروا، بعد الحساب، من الموقف إلى النار، مَؤُوفي القوى والحواس‏.‏ وأن يُحشروا كذلك، ثم تعاد إليهم قواهم وحواسهم، فإنَّ إدراكاتهم بهذه المشاعر في بعض المواطن مما لا ريب فيه‏.‏

‏{‏مأواهم جهنم‏}‏؛ هي مسكنهم، ‏{‏كلما خَبَتْ‏}‏؛ خمدت ‏{‏زدناهم سعيرًا‏}‏؛ توقدًا، أي‏:‏ كلما سكن لهبها، وأكلت جلودهم ولحومهم، ولم يبق فيهم ما تتعلق به النار وتحرقه، زدناهم توقدًا؛ بأن بدلناهم جلودًا غيرها فعادت ملتهبة ومسعرة‏.‏ ولعل ذلك عقوبة على إنكارهم البعث مرة بعد مرة، ليروها عيانًا، حيث لم يعلموها برهانًا، كما يُفصح عنه قوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي ذلك العذاب ‏{‏جزاؤهم بأنهم‏}‏؛ بسبب أنهم ‏{‏كفروا بآياتنا‏}‏ العقلية والنقلية، الدالة على وقوع الإعادة دلالة واضحة‏.‏ ‏{‏وقالوا‏}‏؛ منكرين البعث أشد الإنكار‏:‏ ‏{‏أئذا كُنَّا عظامًا ورُفاتًا أَئِنا لمبعوثون خَلقًا جديدًا‏}‏ أي‏:‏ أنوجدُ خلقًا جديدًا بعد أن صِرنا ترابًا‏؟‏ و«خلقًا»‏:‏ إما مصدر مؤكد من غير لفظه، أي‏:‏ لمبعوثون مبعثًا جديدًا، أو حال، أي‏:‏ مخلوقين مستأنفين‏.‏

الإشارة‏:‏ من يهده الله إلى صريح المعرفة وسر الخصوصية فهو المهتد إليها، يهديه أولاً إلى صحبة أهلها، فإذا تربى وتهذب أشرقت عليه أنوارها‏.‏ ومن يُضلله عنها، فلا ينظر ولا يهتدي إلى صحبة أهلها، فيُحشر يوم القيامة محجوبًا عن الله، كما عاش محجوبًا‏.‏ يموت المرء على ما عاش عليه، ويُبعث على ما مات عليه، لا يُبصر أسرار الذات في مظاهر النعيم، ولا ينطق بالمكالمة مع الرحمن الرحيم، ولا يسمع مكالمة الحق مع المقربين؛ وذلك بسبب إنكاره لأهل التربية في زمانه، وقال‏:‏ لا يمكن أن يبعث الله من يحيي الأرواح الميتة بالجهل؛ بالمعرفة الكاملة‏.‏ وفيه إنكار لعموم القدرة الأزلية، وتحجير على الحق‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏99- 100‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا ‏(‏99‏)‏ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا ‏(‏100‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏وجعل‏}‏‏:‏ عطف على «قادر»؛ لأنه في قوة قدر، أو استئناف‏.‏ و‏{‏لو أنتم‏}‏‏:‏ الضمير‏:‏ فاعل بفعل يفسره ما بعده، كقول حاتم‏:‏

لَوْ ذَاتُ سِوَارٍ لَطَمَتْني *** وفائدة ذلك الحذف والتفسير؛ للدلالة على الاختصاص والمبالغة‏.‏ وقيل في إعرابه غير هذا‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏أوَ لم يَروا‏}‏ أي‏:‏ أوَ لم يتفكروا ولم يعلموا ‏{‏أنَّ الله الذي خلق السماواتِ والأرضَ‏}‏ من غير مادة، مع عِظمها، ‏{‏قادرٌ على أن يخلق مثلهم‏}‏ في الصِّغر والحقارة‏.‏ على أن المثل مقحم، أي‏:‏ على أن يخلقهم خلقًا جديدًا؛ فإنهم ليسوا أشد خلقًا منهم، ولا الإعادة بأصعب من الإبداء، ‏{‏وجعل لهم‏}‏ أي‏:‏ لموتهم وبعثهم ‏{‏أجلاً‏}‏ محققًا ‏{‏لا ريب فيه‏}‏ وهو‏:‏ القيامة‏.‏ ‏{‏فأبى الظالمون إِلا كفورًا‏}‏؛ إلا جحودًا، وضع الظاهر موضع الضمير؛ تسجيلاً عليهم بالظلم وتجاوز الحد فيه‏.‏

‏{‏قلْ‏}‏ لهم‏:‏ ‏{‏لو أنتم تملكونَ خزائنَ رحمةِ ربي‏}‏؛ خزائن رزقه وسائر نعمه التي أفاضها على كافة الموجودات، ‏{‏إِذًا لأمْسَكْتُم‏}‏؛ لبخلتم، ‏{‏خشيةَ الإِنفاق‏}‏؛ مخافة النفاد بالإِنفاق، إذ ليس في الدنيا أحد إلا وهو يختار النفع لنفسه، ولو آثر غيره بشيء فإنما يُؤثره لغرض يفوقه، فهو إذًا بخيل بالإضافة إلى وجود الله سبحانه، إلا من تخلق بخلق الرحمن؛ من الأنبياء وأكابر الصوفية‏.‏ ‏{‏وكان الإِنسانُ قَتورًا‏}‏؛ مبالغًا في البخل؛ لأن مبني أمره على الحاجة والضنة بما يحتاج إليه، وملاحظة العوض فيما يبذل‏.‏ يعني‏:‏ أن طبع الإنسان ومنتهى نظره‏:‏ أن الأشياء تتناهى وتفنى، وهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشية الفقر، وكذلك يظن أن قدرة الله تقف دون البعث، والأمر ليس كذلك، بل قدرته لا تتناهى، فهو يخترع من الخلق ما يشاء، ويخترع من الأرزاق ما يريد، فلا يخاف نفاد خزائن رحمته‏.‏ وبهذا النظر تتصل الآية بما قبلها‏.‏ انظر ابن عطية‏.‏

قلت‏:‏ ويمكن أن تتصل في المعنى بقوله‏:‏ ‏{‏أَبعثَ اللهُ بشرًا رسولاً‏}‏، فكأنَّ الحق تعالى يقول لهم‏:‏ لو كانت بيدكم خزائن رحمته، لخصصتم بالنبوة من تريدون، لكن ليست بيدكم، ولو كانت بيدكم؛ تقديرًا، لأمسكتم خشية الإنفاق؛ لأن طبع الإنسان البخل وخوف الفقر، فهو كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العزيز الوهاب‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 9‏]‏، بعد قوله‏:‏ ‏{‏وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 4‏]‏‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ الحق تعالى قادر على أن يخلق ألف عالمَ في لحظة، وأن يفنى ألف عالم في لحظة، فلا يعجزه شيء من الممكنات‏.‏ وكما قدر أن يحيي الإنسان بعد موته الحسي؛ هو قادر على أن يحييه بعد موته المعنوي بالجهل والغفلة، على حسب ما سبق له في المشيئة، وجعل لذلك أجلاً لا ريب فيه، فلا يجحد هذا إلا من كان ظالمًا كفورًا‏.‏ قل لمن يخصص الولاية بنفسه، أو بأسلافه، ويُنكر أن يفتح الله على قوم كانوا جُهالاً‏:‏ لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذًا لأمسكتم الخصوصية عندكم؛ خشية أن ينفد ما عندكم، وكان الإنسان قتورًا، لا يُحب الخير إلا لنفسه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏101- 104‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ‏(‏101‏)‏ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ‏(‏102‏)‏ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا ‏(‏103‏)‏ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ‏(‏104‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ قال في الأساس‏:‏ ثبره الله‏:‏ أهلكه هلاكًا دائمًا، لا ينتعش بعده، ومن ثَم يدعو أهلُ النار‏:‏ واثبوراه‏.‏ وما ثبرك عن حاجتك‏:‏ ما ثبطك عنها‏.‏ وهذا مثبَرُ فلانة‏:‏ لمكان ولادتها، حيث يثبرها النفاس‏.‏ وفي القاموس‏:‏ الثبر‏:‏ الحبْسُ والمنع، كالتثبير والصرف عن الأمر وعن الحبيب، واللعن والطرد‏.‏ والثبور‏:‏ الهلاك والويل والإهلاك‏.‏ ه‏.‏ و‏{‏إذا جاءهم‏}‏‏:‏ إما متعلق بآياتنا، أو بقلنا محذوف‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ولقد آتينا موسى تسع آيات بيناتٍ‏}‏؛ واضحات الدلالة على نبوته، وصحة ما جاء به من عند الله‏.‏ وهي‏:‏ العصا، واليد، والجراد، والقُمل، والضفادع، والدم، والطوفان، والسنون، ونقص الثمرات‏.‏ وقيل‏:‏ انفجار الماء من الحجر، ونتق الطور، وانفلاق البحر، بدل الثلاث‏.‏ وفيه نظر؛ فإن هذه الثلاث لم تكن لفرعون، وإنما كانت بعد خروج سيدنا موسى عليه السلام‏.‏ وعن صفوان بْن عسال‏:‏ أن يهوديًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال‏:‏ «ألاَّ تُشْرِكُوا به شَيْئًا، ولا تَسْرقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفس التِي حَرَّم اللهُ إلاَّ بالحَقِّ، ولا تَسْحُروا، ولا تأكُلُوا الرِّبَا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سُلْطَانٍ ليَقْتُلَهُ، ولا تَقذفُوا المُحْصَنَة، ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وعليكم، خاصَّة اليهود، ألاَّ تَعْدُوا في السَّبْتِ» فقبَّل اليهوديُ يَدَه ورجْلَه- عليه الصلاة والسلام‏.‏

قلت‏:‏ ولعل الحق تعالى أظهر لهم تسعًا، وكلفهم بتسع، شكرًا لما أظهر لهم، فأخبر- عليه الصلاة والسلام- السائل عما كلفهم به؛ لأنه أهم، وسكت عما أظهر لهم؛ لأنه معلوم‏.‏ وإنما قبَّل السائلُ يده؛ لموافقته لما في التوراة، وقد علم أنه ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالوحي، وقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «وعليكم، خاصة اليهود، ألا تعدوا»، حكم مستأنف زائد على الجواب، ولذلك غيَّر فيه سياق الكلام‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏فسلْ بني إسرائيل‏}‏ أي‏:‏ سل، يا محمد، بني إسرائيل المعاصرين لك عما ذكرنا من قصة موسى؛ لتزداد يقينا وطمأنينة، أو‏:‏ ليظهر صدقك لعامة الناس، أو‏:‏ قلنا لموسى‏:‏ سل بني إسرائيل مِن فرعون، أي‏:‏ اطلبهم منه؛ ليرسلَهم معك، أو سل بني إسرائيل أن يعضدوك ويكونوا معك‏.‏ ويؤيد هذا‏:‏ قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم «فَسَال»؛ على صيغة الماضي، بغير همز، وهي لغة قريش‏.‏ ‏{‏إِذْ جاءهم‏}‏ أي‏:‏ آتينا موسى تسع آيات حين جاءهم بالرسالة، أو قلنا له‏:‏ سل بني إسرائيل حين جاءهم بالوحي‏.‏ ‏{‏فقال له فرعونُ‏}‏ حين أظهر له ما آتيناه من الآيات، وبلغة ما أرسل به‏:‏ ‏{‏إِني لأظنك يا موسى مسحورًا‏}‏ أي‏:‏ سُحرت فتخبط عقلك‏.‏

‏{‏قال‏}‏ له موسى‏:‏ ‏{‏لقد علمتَ‏}‏ يا فرعون، ‏{‏ما أنزل هؤلاء‏}‏ الآيات التي ظهرت على يدي ‏{‏إِلا ربُّ السماوات والأرض‏}‏؛ خالقهما ومدبرهما، ولا يقدر عليها غيره، حال كونها ‏{‏بصائرَ‏}‏؛ بينات تبصرك صدقي، ولكنك تعاند وتكابر، وقد استيقنتها أنفسكم، فجحدتم؛ ظلمًا وعلوًا، ‏{‏وإِني لأظنك يا فرعونُ مثبورًا‏}‏ أي‏:‏ مهلكًا مقطوعًا دابرك، أو مغلوبًا مقهورًا، أو مصروفًا عن الخير‏.‏

قابل موسى عليه السلام قول فرعون‏:‏ ‏{‏إِني لأظنك يا موسى مسحورًا‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏وإني لأظنك يا فرعون مثبورًا‏}‏؛ وشتان ما بين الظنين؛ ظنُّ فرعون إفك مبين، وظن موسى حق اليقين؛ لأنه بوحي من رب العالمين، أو من تظاهر أماراته‏.‏

‏{‏فأراد فرعون أن يستفزهم‏}‏ أي‏:‏ يستخفهم ويزعجهم ‏{‏من الأرض‏}‏؛ أرض مصر، ‏{‏فأغرقناه ومَنْ معه جميعًا‏}‏؛ فعكسنا عليه علمه ومكره، فاستفززناه وقومه من بلده بالإغراق‏.‏ ‏{‏وقلنا من بعده‏}‏ من بعد إغراقه ‏{‏لبني إسرائيل اسكنُوا الأرضَ‏}‏ التي أراد أن يستفزكم هو منها‏.‏ أو أرض الشام‏.‏ وهو الأظهر، إذ لم يصح أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بالسكنى‏.‏ وانظر عند قوله‏:‏ ‏{‏وَأَوْرَثْنَاهَا بني إِسْرَائِيلَ‏}‏ ‏[‏الشُّعَرَاء‏:‏ 59‏]‏ ‏{‏فإِذا جاء وعد الآخرة‏}‏ أي‏:‏ الحياة الآخرة، أو الدار الآخرة، أي‏:‏ قيام الآخرة، ‏{‏جئنا بكم لفيفًا‏}‏؛ مختلطين إياكم وإياهم، ثم نحكم بينكم ونميز سعداءكم من أشقيائكم‏.‏ واللفيف‏:‏ الجماعات من قبائل شتى‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ لا ينفع في أهل الحسد والعناد ظهور معجزة ولا آية، ولا يتوقف عليها من سبقت له العناية، لكنها تزيد تأييدًا، وطمأنينة لأهل اليقين، وتزيد نفورًا وعنادًا، لأهل الحسد من المعاندين‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏105- 109‏]‏

‏{‏وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ‏(‏105‏)‏ وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ‏(‏106‏)‏ قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ‏(‏107‏)‏ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ‏(‏108‏)‏ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ‏(‏109‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ تقديم المعمول، هو ‏{‏بالحق‏}‏‏:‏ يُؤذن بالحصر‏.‏ و‏{‏قرآنًا‏}‏‏:‏ مفعول بمحذوف يُفسره ما بعده‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ في شأن القرآن‏:‏ ‏{‏وبالحقِّ أنزلناه وبالحق نَزَل‏}‏ أي‏:‏ ما أنزلنا القرآن إلا ملتبسًا بالحق، المقتضي لإنزاله، وما نزل إلا بالحق الذي اشتمل عليه من الأمر والنهي، والمعنى‏:‏ أنزلناه حقًا مشتملاً على الحق‏.‏ أو‏:‏ ما أنزلناه من السماء إلا محفوظًا بالرصَد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظًا من تخليط الشياطين‏.‏ ولعل المراد‏:‏ عدم اعتراء البطلان له أولاً وآخرًا‏.‏ ‏{‏وما أرسلناك إِلا مبشرًا‏}‏ للمطيعين بالثواب، ‏{‏ونذيرًا‏}‏ للعاصين بالعقاب، وهو تحقيق لحقية بعثه- عليه الصلاة والسلام- إثر تحقيق حقية إنزال القرآن‏.‏

‏{‏وقرآنًا فَرَقْنَاهُ‏}‏ أي‏:‏ أنزلناه مفرقًا منجمًا في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين‏.‏ قال القشيري‏:‏ فرَق القرآن؛ ليهون حفظه، ويكثر تردد الرسول عليه من ربه، وليكون نزوله في كل وقت، وفي كل حادثة وواقعة؛ دليلاً على أنه ليس مما أعانه عليه غيره‏.‏ ه‏.‏ ‏{‏لتقرأه على الناس على مُكْثٍ‏}‏؛ على مهلٍ وتؤدة وتثبتٍ؛ فإنه أيسر للحفظ، وأعون على الفهم، ‏{‏ونزلناه تنزيلاً‏}‏ على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، والحوادث الواقعة‏.‏

‏{‏قل‏}‏ للذين كفروا‏:‏ ‏{‏آمِنُوا به أو لا تُؤمنوا‏}‏، فإنَّ إيمانكم لا يزيده كمالاً، وامتناعكم منه لا يزيده نقصانًا‏.‏ أو‏:‏ أُمِرَ باحتقارهم وعدم الاكتراث بهم، كأنه يقول‏:‏ سواء آمنتم به أو لم تؤمنوا؛ لأنكم لستم بحجة، وإنما الحجة لأهل العلم، وهم‏:‏ المؤمنون من أهل الكتاب، الذين أشار إليهم بقوله‏:‏ ‏{‏إِن الذين أُوتوا العلم من قَبْلِهِ‏}‏ أي‏:‏ العلماء الذين قرأوا الكتب السالفة من قبل تنزيله، وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة، وتمكنوا من التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل، ‏{‏إِذا يُتلى عليهم‏}‏ القرآن ‏{‏يَخرُّون للأذقانِ‏}‏ أي‏:‏ يسقطون على وجوههم ‏{‏سُجَّدًا‏}‏؛ تعظيمًا لأمر الله، أو شكرًا لإنجازه ما وعد في تلك الكتب؛ من نعتك، وإظهارك، وإنزال القرآن عليك‏.‏ والأذقان‏:‏ جمع ذقن، وهو‏:‏ أسفل الوجه حيث اللحية‏.‏ وخصها بالذكر؛ لأنها أول ما تلقى في الأرض من وجه الساجد‏.‏ والجملة‏:‏ تعليل لما قبلها من قوله‏:‏ ‏{‏آمِنُوا به أو لا تؤمنوا‏}‏؛ من عدم المبالاة‏.‏ والمعنى‏:‏ إن لم تؤمنوا فقد آمن منْ هو أعلى منكم وأحسن إيمانًا منكم‏.‏ ويجوز أن يكون تعليلاً لقُل، على سبيل التسلية للرسول- عليه الصلاة والسلام-، كأنه يقول‏:‏ تسلّ بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة، ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم‏.‏

‏{‏ويقولون‏}‏ في سجودهم‏:‏ ‏{‏سبحان ربِّنا‏}‏ عن خلْف وعده؛ ‏{‏إِن كان وعْدُ ربنا لمفعولاً‏}‏ أي‏:‏ إن الأمر والشأن كان وعد ربنا مفعولاً لا محالة، ‏{‏ويَخِرُّون للأذقانِ‏}‏ كرره؛ لاختلاف السبب، فإن الأول‏:‏ لتعظيم الله وشكر إنجاز وعده‏.‏ والثاني‏:‏ لِمَا أثر فيهم من مواعظ القرآن، ‏{‏يَبْكُونَ‏}‏‏:‏ حال، أي‏:‏ حال كونهم باكين من خشية الله، ‏{‏ويزيدهم‏}‏ القرآنُ ‏{‏خشوعًا‏}‏، كما يزيدهم علمًا بالله تعالى‏.‏

الإشارة‏:‏ وبالحق أنزلناه، أي بالتعريف بأسرار الربوبية، وبالحق نزل؛ لتعليم آداب العبودية‏.‏ أو‏:‏ بالحق أنزلناه، يعني‏:‏ علم الحقيقة، وبالحق نزل علم الشريعة والطريقة‏.‏ وما أرسلناك إلا مبشرًا لأهل الإخلاص بالوصول والاختصاص، ونذيرًا لأهل الخوض بالطرد والبعد‏.‏ وقرآنا فرقناه، لتقرأه نيابة عنا، كي يسمعوه منا بلا واسطة، عند فناء الرسوم والأشكال، ونزّلناه، للتعريف بنا تنزيلاً، قل آمنوا به؛ لتدخلوا حضرتنا، أو لا تؤمنوا، فإن أهل العلم بنا قائمون بحقه، خاشعون عند تلاوته، متنعمون بشهودنا عند سماعه منا‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

ولما كان القرآن مشتملاً على أسماء كثيرة من أسماء الله الحسنى، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه‏:‏ «يا الله، يا رحمن»، قالوا‏:‏ إنه ينهانا عن عبادة إليهن، وهو يدعو إلهًا آخر‏.‏ وقالت اليهود‏:‏ إنك لتُقل ذكر الرحمن، وقد أكثر الله تعالى ذكره في التوراة، فأنزل الله ردًا على الفريقين‏.‏

‏{‏قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسمآء الحسنى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قلت‏:‏ «أي» شرطية، و‏{‏ما‏}‏‏:‏ زائدة؛ تأكيدًا لما في «أيًّا» من الإبهام، وتقدير المضاف‏:‏ أيَّ الأسماء تدعو به فأنت مُصيب‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏قُلْ‏}‏ يا ممد للمؤمنين‏:‏ ‏{‏ادعوا الله أو ادعوا الرحمن‏}‏؛ نادوه بأيهما شئتم، أو سموه بأيهما أردتم‏.‏ والمراد‏:‏ إما التسوية بين اللفظين؛ فإنهما عبارتان عن ذاتِ واحد، وإن اختلف الاعتبار، والتوحيد إنما هو للذات، الذي هو المعبود بالحق، وإما أنهما سيان في حسن الإطلاق والوصول إلى المقصود، فلذلك قال‏:‏ ‏{‏أَيَّا مَا تدعو‏}‏؛ أيَّ اسم تدعو به تصب، ‏{‏فله الأسماءُ الحسنى‏}‏ فيكون الجواب محذوفًا، دلَّ عليه الكلام‏.‏ وقيل‏:‏ التقدير أيًّا ما تدعو به فهو حسن، فوضع موضعه‏:‏ ‏{‏فله الأسماء الحسنى‏}‏؛ للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه؛ إذ حسن جميع الأسماء يستدعي حسن ذَيْنِك الاسمين، وكونها حسنى؛ لدلالتها على صفات الكمال من الجلال والجمال؛ إذ كلها راجعة إلى حسن ذاتها، وكمالها؛ جمالاً وجلالاً‏.‏

قال في شرح المواقف‏:‏ ورد في الصحيحين‏:‏ «إنَّ للهِ تِسْعَةً وتَسْعِينَ اسْمًا، مائةً إلاَّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ»، وليس فيها تعيين تلك الأسماء‏.‏ لكن الترمذي والبيهقي عيَّناها‏.‏ وهي الطريقة المشهورة، ورواية الترمذي‏:‏ «الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ المصور، الغفار القهار، الوهاب الرزاق، الفتاح العليم، القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز المذل، السميع البصير، الحكم العدل، اللطيف الخبير، الحليم العظيم، الغفور الشكور، العلي الكبير، الحفيظ المقيت، الحسيب الجليل، الكريم الرقيب، المجيب، الواسع الحكيم، الودود المجيد، الباعث الشهيد، الحق الوكيل، القوي المتين، الولي الحميد، المحصي المبدئ المعيد، المحيي المميت، الحي القيوم، الواجد الماجد، الواحد، الأحد الصمد، القادر المقتدر، المقدم المؤخر، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الوالي المتعالي، البر التواب، المنتقم العفو الرؤوف، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع، الغني المغني المانع، الضار النافع، النور الهادي، البديع الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور»‏.‏

وقد ورد التوقيف بغيرها، أمَّا في القرآن؛ فكالمولى، والنصير والغالب، والقاهر والقريب، والرب والأعلى، والناصر والأكرم، وأحسن الخالقين، وأرحم الراحمين، وذي الطول، وذي القوة، وذي المعارج، وغير ذلك‏.‏ وأما في الحديث، فكالمنان، والحنان، وقد ورد في رواية ابن ماجة أسماء ليست في الرواية المشهورة؛ كالقائم، والقديم، والوتر، والشديد، والكافي، وغيرها‏.‏

وإحصاؤها‏:‏ إما حفظها؛ لأنه إما يحصل بتكرار مجموعها وتعدادها مرارًا، وإما ضبطها؛ حصرًا وعلمًا وإيمانًا وقيامًا بحقوقها، وإما تعلقًا وتخلقًا وتحققًا‏.‏ وقد ذكرنا في شرح الفاتحة الكبير كيفية التعلق والتخلق والتحقق بها‏.‏ وفي ابن حجر‏:‏ أن أسماء الله مائة، استأثر الله بواحد، وهو الاسم الأعظم، فلم يُطلع عليه أحدًا، فكأنه قيل‏:‏ مائة لكن واحد منها عند الله‏.‏ وقال غيره‏:‏ ليس الاسم الذي يكمل الماءة مخفيًا، بل هو الجلالة‏.‏ وممن جزم بذلك البيهقي، فقال‏:‏ الأسماء الحسنى مائة، على عدد درجات الجنة، والذي يكمل المائة‏:‏ «الله»، ويؤيده قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَللَّهِ الأسمآء الحسنى‏}‏ ‏[‏الأعرَاف‏:‏ 180‏]‏‏.‏ فالتسعة والتسعون لله؛ فهي زائدة عليه وبه تكمل المائة‏.‏ ه‏.‏

قلت‏:‏ ولعله ذكر اسمًا آخر يكمل التسعة والتسعين‏.‏ وإلا فهو مذكور في الرواية المتقدمة من التسعة والتسعين‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ ‏{‏قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن‏}‏، قال الورتجبي‏:‏ إن الله سبحانه دعا عباده إلى معرفة الاسمين الخاصين، الذين فيهما أسرار جميع الأسماء والصفات والذات، والنعوت والأفعال؛ فالله اسمُهُ، وهو اسمُ عَيْنِ جَمْعِ الجَمعِ، والرحمن اسم عين الجمع؛ فالرحمن مندرج تحت اسمه‏:‏ «الله»؛ لأَنه عين الكل، وإذا قلت‏:‏ الله؛ ذكرت عين الكل‏.‏ ثم قال‏:‏ وإذا قال «الله»؛ يفنى الكل، وإذا قال‏:‏ «الرحمن»؛ يبقى الكل، من حيث الاتصاف والاتحاد، فالاتصاف بالرحمانية يكون، والاتحاد بالألوهية يكون‏.‏ ثم قال‏:‏ عن الأستاذ‏:‏ من عظيم نعمه سبحانه على أوليائه‏:‏ أنه يُنزههم بأسرارهم في رياض ذكره؛ بتعداد أسمائه الحسنى، فيتنقلون من روضة إلى روضة، ومن مأنس إلى مأنس، ويقال‏:‏ الأغنياء تنزههم في بساتينهم، وتنزههم في منابت رياحِينهم‏.‏ والفقراء تنزههم في مشاهد تسبيحهم، ويستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من كشوفات جلاله وجماله‏.‏ ه‏.‏ قلت‏:‏ والعارفون تنزههم في مشاهدة أسرار محبوبهم، وما يكشف لهم من روض جماله وجلاله‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏110- 111‏]‏

‏{‏قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ‏(‏110‏)‏ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ‏(‏111‏)‏‏}‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏ولا تجهرْ‏}‏ بقراءة صلاتك، بحيث تُسمع المشركين، فإن ذلك يحملهم على السب واللغو فيها، ‏{‏ولا تُخافت‏}‏ أي‏:‏ تُسر ‏{‏بها‏}‏؛ حتى لا تُسمع من خلفك من المؤمنين، ‏{‏وابتغ بين ذلك سبيلاً‏}‏؛ واطلب بين المخافتة والإجهار طريقًا قصدًا، فإنَّ خير الأمور أوسطها‏.‏ والتعبير عن ذلك بالسبيل باعتبار أنه طريق يتوجه إليه المتوجهون، ويؤمه المقتدون ليوصلهم إلى المطلوب‏.‏ رُوي أن أبا بكر رضي الله عنه كان يخفت، ويقول‏:‏ أُنَاجِي ربِّي، وَقَدْ عَلِمَ حَاجَتِي‏.‏ وعُمَرُ رضي الله عنه كان يجهر، ويقول‏:‏ أطردُ الشَّيْطَانَ وأُوقِظُ الوَسْنَانَ‏.‏ فلما نزلت، أَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا بَكْرٍ أَنْ يَجْهَر قليلاً، وعمر أن يَخْفِض قليلاً‏.‏

وقيل‏:‏ المعنى‏:‏ ‏{‏ولا تجهر بصلاتك‏}‏ كلها، ‏{‏ولا تُخافت بها‏}‏ بأسرها، ‏{‏وابتغِ بين ذلك سبيلاً‏}‏؛ بالمخافتة نهارًا والجهر ليلاً‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏بصلاتك‏}‏؛ بدعائك‏.‏ وذهب قوم إلى أنها منسوخة؛ لزوال علة السب واللغو؛ بإظهار الدين وإخفاء الشرك وبطلانه؛ فالحمد لله على ذلك كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وقل الحمدُ لله الذي لم يتخذ ولدًا‏}‏ كما يزعم اليهود والنصارى وبنو مدلج؛ حيث قالوا‏:‏ عُزير ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله‏.‏ تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، ‏{‏ولم يكن له شريك في الملك‏}‏؛ في الألوهية؛ كما تقول الثنوية القائلون بتعدد الآلهة‏.‏ ‏{‏ولم يكن له وَلِيٌّ من الذُّلِّ‏}‏ أي‏:‏ لم يكن له ناصر ينصره ‏{‏من الذُّل‏}‏ أي‏:‏ لم يذل فيحتاج إلى ولي يُواليه؛ ليدفع ذلك عنه‏.‏ وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة؛ إيذان بأن المستحق للحمد من هذه نعوته، دون غيره؛ إذ بذلك يتم الكمال، وما عداه ناقص حقير، ولذلك عطف عليه‏:‏ ‏{‏وكبِّره تكبيرًا‏}‏ عظيمًا، وفيه تنبيه على أن العبد وإن بالغ في التنزيه والتمجيد، واجتهد في العبادة والتحميد، ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقه في ذلك‏.‏ رُوي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علَّمه هذه الآية‏:‏ ‏(‏وقل الحمد لله‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الخ‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

الإشارة‏:‏ الإجهار بالذكر والقراءة والدعاء، مباح لأهل البدايات، لمن وجد قلبه في ذلك، وأما النهي الذي في الآية فمنسوخ؛ لأن الصحابة، حين هاجروا من مكة، رفعوا أصواتهم بالقراءة والتكبير‏.‏ لكن المداومة عليه من شأن أهل البُعد عن الحضرة، وأما أهل القُرب فالغالب عليهم السكوت أو المخافتة؛ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 108‏]‏‏.‏ وأما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام لأبي بكر رضي الله عنه بالإجهار قليلاً، وعمر بالخفض قليلاً؛ فإخراج لهم عن مرادهم؛ تربيةً لهم‏.‏ وختم السورة بآية العز؛ إشارة إلى أن من أسرى بروحه، أو بجسده إلى الملأ الأعلى كان عاقبته العز والرفعة في الدارين‏.‏

سورة الكهف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ‏(‏1‏)‏ قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ‏(‏2‏)‏ مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ‏(‏3‏)‏ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ‏(‏4‏)‏ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ‏(‏5‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏قَيّمًا‏}‏‏:‏ حال من الكتاب، والعامل فيه‏:‏ «أنزل»، ومنعه الزمخشري؛ للفصل بين الحال وذي الحال، واختار أن العامل فيه مضمر، تقديره‏:‏ جعله قيّمًا، و«لينذر»‏:‏ يتعلق بأنزل، أو بقيّمًا‏.‏ والفاعل‏:‏ ضمير الكتاب، أو النبي صلى الله عليه وسلم، و«بأسًا»‏:‏ مفعول ثان، وحذف الأول، أي‏:‏ لينذر الناس بأسًا، كما حذف الثاني من قوله‏:‏ ‏{‏ويُنذر الذين قالوا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ؛ لدلالة هذا عليه، و‏{‏مِن عِلْم‏}‏‏:‏ مبتدأ مجرور بحرف زائد، أو فاعل بالمجرور؛ لاعتماده على النفي، و«كلمة»‏:‏ تمييز‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏الحمدُ لله‏}‏ أي‏:‏ الثناء الجميل حاصل لله، والمراد‏:‏ الإعلام بذلك؛ للإيمان به، أو الثناء على نفسه، أو هما معًا‏.‏ ثم ذكر وجه استحقاقه له، فقال‏:‏ ‏{‏الذي أَنزل على عبده الكتابَ‏}‏ أي‏:‏ الكتاب الكامل المعروف بذلك من بين سائر الكتب، الحقيق باختصاص اسم الكتاب، وهو جميع القرآن‏.‏ رتَّب استحقاق الحمد على إنزاله؛ تنبيهًا على أنه أعظم نعمائه، وذلك لأنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد، والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد‏.‏

وفي التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافًا إلى ضمير الجلالة تنبيه على بلوغه صلى الله عليه وسلم إلى معاريج العبادة وكمال العبودية أقصى غاية الكمال، حيث كان فانيًا عن حظوظه، قائمًا بحقوقه، خالصًا في عبوديته لربه‏.‏

‏{‏ولم يجعلْ له‏}‏ أي‏:‏ للكتاب ‏{‏عِوَجًا‏}‏؛ شيئًا من العوج، باختلافٍ في اللفظ، وتناقض في المعنى، وانحراف في الدعوة‏.‏ قال القشيري‏:‏ صانه عن التناقض والتعارض، فهو كتابٌ عزيزٌ من ربِّ عزيز، ينزل على عَبْدٍ عزيز‏.‏

قَيّمًا‏:‏ مستقيمًا متناهيًا في الاستقامة، معتدلاً لا إفراط فيه ولا تفريط، فهو تأكيد لما دل عليه نفي العوج، مع إفادته كون ذلك من صفاته الذاتية، حسبما تُنبئ عنه الصيغة‏.‏ أو قَيّمًا بالمصالح الدينية والدنيوية للعباد، على ما ينبئ عنه ما بعده من الإنذار والتبشير، فيكون وصفًا له بالتكميل، بعد وصفه بالكمال، أو‏:‏ قَيّمًا على ما قبله من الكتب السماوية، وشاهدًا بصحتها ومهيمنًا عليها‏.‏ ‏{‏ليُنذر‏}‏‏:‏ ليُخوّف اللهُ تعالى به، أو الكتاب، والأول أوْلى؛ لتناسب المعطوفين بعده، أي‏:‏ أنزل الكتاب لينذر بما فيه الذين كفروا ‏{‏بأسًا‏}‏‏:‏ عذابًا ‏{‏شديداً من لدنه‏}‏ أي‏:‏ صادرًا من عنده، نازلاً من قِبَله، في مقابلة كفرهم وتكذيبهم‏.‏

‏{‏ويُبشِّر‏}‏ بالتشديد والتخفيف، ‏{‏المؤمنين‏}‏‏:‏ المصدقين به، ‏{‏الذين يعملون‏}‏ أي‏:‏ العُمال ‏{‏الصالحاتِ‏}‏ التي تَنْبَثُّ في تضاعيفه ‏{‏أنَّ لهم‏}‏ أي‏:‏ بأن لهم في مقابلة إيمانهم وأعمالهم ‏{‏أجرًا حسنًا‏}‏، هو الجنة وما فيها من المثوبات الحسنى، ‏{‏ماكثين فيه‏}‏ أي‏:‏ في ذلك الأجر ‏{‏أبدًا‏}‏ على سبيل الخلود‏.‏ والتعبير بالمضارع في الصلة- أعني‏:‏ الذين يعملون-؛ للإشعار بتجدد الأعمال الصالحات واستمرارها، وإجراء الموصول على الموصوف بالإيمان؛ إيماءً بأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان‏.‏

وتقديم الإنذار على التبشير؛ لإظهار كمال العناية بزجر الكفار عما هم عليه، مع مراعاة تقديم التخلية على التحلية‏.‏ وتكرير الإنذار بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويُنذرَ الذين قالوا اتخذ اللهُ ولدًا‏}‏‏:‏ متعلق بفرقة خاصة، ممن عمَّهُ الإنذار السابق، من مستحقي البأس الشديد؛ للإيذان بكمال فظاعة حالهم، لغاية شناعة كفرهم وضلالهم، أي‏:‏ وينذر، من بين سائر الكفرة، هؤلاء المتفوهين بمثل هذه القولة العظيمة، وهم كفار العرب الذين قالوا‏:‏ الملائكة بنات الله، واليهود القائلون‏:‏ عزير ابن الله، والنصارى القائلون‏:‏ المسيح ابن الله‏.‏

‏{‏ما لهم به من عِلْمٍ‏}‏ أي‏:‏ ما لهم باتخاذه الولد شيء من علم أصلاً؛ لضلالهم وإضلالهم، ‏{‏ولا لآبائهم‏}‏ الذين قلدوهم، فتاهوا جميعًا في تيه الجهالة والضلالة، أو‏:‏ ما لهم علم بما قالوا، أصواب أم خطأ، بل إنما قالوه؛ رميًا بقولٍ عن عمى وجهالة، من غير فكر ولا روية، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ ‏[‏الأنعَام‏:‏ 100‏]‏‏.‏ أو‏:‏ ما لهم علم بحقيقة ما قالوا، وبعِظَم رتبته في الشناعة، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ‏}‏ ‏[‏مريَم‏:‏ 88-90‏]‏، وهو الأنسب لقوله‏:‏ ‏{‏كَبُرتْ كلمةٌ‏}‏ أي‏:‏ عظمت مقالتهم هذه في الكفر والافتراء؛ لما فيها من نسبته سبحانه إلى ما لا يكاد يليق بجناب كبريائه؛ لما فيه من التشبيه والتشريك، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يُعينه ويخلفه‏.‏ فما أقبحها مقالة ‏{‏تخرج من أفواههم‏}‏ أي‏:‏ يتفوهون بها من غير حقيقة ولا تحقيق لمعناها، ‏{‏إن يقولون إِلا كذبًا‏}‏‏:‏ ما يقولون في ذلك إلا قولاً كذبًا، لا يكاد يدخل فيه إمكان الصدق أصلاً‏.‏

الإشارة‏:‏ من كملت عبوديته لله، وصار حُرًّا مما سواه، بحيث تحرر من رق الأكوان، وأفضى إلى مقام الشهود والعيان، أنزل الله على قلبه علم التحقيق، وسلك به منهاج أهل التوفيق، منهاجًا قيمًا، لا إفراط فيه ولا تفريط، محفوظًا في باطنه من الزيغ والإلحاد، وفي ظاهره من الفساد والعناد، قد تولى الله أمره وأخذه عنه، فهو على بينة من ربه فيما يأخذ ويذر‏.‏ فإن أَذِنَ له في التذكير وقع في مسامع الخلق عبارتُه، وجليت إليهم إشارته، فبَشَّر وأنذر، ورغّب وحذّر، يُبشر أهل التوحيد والتنزيه بنعيم الجنان، وبالنظر إلى وجه الرحمن، ويُنذر أهل الشرك بعذاب النيران، وبالذل والهوان، نعوذ بالله من موارد الفتن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 8‏]‏

‏{‏فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ‏(‏6‏)‏ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ‏(‏7‏)‏ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ‏(‏8‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏أسفًا‏}‏‏:‏ مفعول من أجله لباخع، أو حال، أي‏:‏ متأسفًا، وجواب «إن»‏:‏ محذوف، أي‏:‏ إن لم يؤمنوا فعلك باخع نفسك‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏فلعلك‏}‏ يا محمد ‏{‏باخعٌ‏}‏‏:‏ مهلك ‏{‏نفسَك‏}‏ وقاتلها بالغم والأسف على تخلف قومك عن الإيمان وفراقهم عنك، ‏{‏على آثارهم‏}‏ إذا تولوا عنك، عندما تدعوهم إلى الله‏.‏ شبهه، لأجل ما تداخله من الوجد على توليتهم، بمن فارقته أعزته، وهو يتحسر على آثارهم، ويبخع نفسه وجدًا عليهم‏.‏ ‏{‏إِن لم يُؤمنوا بهذا الحديث‏}‏ أي‏:‏ القرآن الذي عبّر عنه في صدر السورة بالكتاب، صدر ذلك منك ‏{‏أسفًا‏}‏ أي‏:‏ بفرط الحزن والتأسف عليهم‏.‏

ثم علّل وجه إدبارهم عن الإيمان، وهو اغترارهم بزهرة الدنيا، فقال‏:‏ ‏{‏إِنا جعلنا ما على الأرض‏}‏؛ من الأشجار والأزهار والثمار، وما اشتملت عليه من المعادن، وأنواع الملابس والمطاعم، والمراكب والمناكح، ‏{‏زينةً لها‏}‏ أي‏:‏ مبهجة لها، يستمتع بها الناظرون، وينتفعون بها مأكلاً وملبسًا، ونظرًا واعتبارًا، حتى إن الحيّات والعقارب؛ من حيث تذكيرها بعذاب الآخرة، من قبيل المنافع، بل كل حادث داخل تحت الزينة من حيثُ دلالته على الصانع، وكذلك الأزواج والأولاد، بل هم من أعظم زينتها، داخلون تحت الابتلاء‏.‏ جعلنا ذلك ‏{‏لنبلوهم‏}‏‏:‏ لنختبرهم، حتى يظهر ذلك للعيان، ‏{‏أيُّهم أحسنُ عملاً‏}‏، أيهم أزهد فيها، وأقبلهم على الله بالعمل الصالح؛ إذ لا عمل أحسن من الزهد في الدنيا؛ إذ هو سبب للتفرغ لأنواع العبادة، بدنية وقلبية‏.‏

قال أبو السعود‏:‏ وحسن العمل‏:‏ الزهد فيها، وعدم الاكتراث بها، والقناعة باليسير منها، وصرفها على ما ينبغي، والتأمل في شأنها، وجعلها ذريعة إلى معرفة خالقها، والتمتع بها حسبما أذن الشرع، وأداء حقوقها، والشكر على نعمها، لا جعْلها وسيلة إلى الشهوات، والأغراض الفاسدة، كما يفعله الكفرة وأهل الأهواء‏.‏‏.‏‏.‏ انظر بقية كلامه‏.‏

‏{‏وإِنا لجاعلون ما عليها‏}‏؛ عند تناهي الدنيا؛ ‏{‏صعيدًا جُرُزًا‏}‏ أي‏:‏ ترابًا يابسًا، لا نبات فيه، بعدما كان يَتَعجب من بهجته النظارُ، ويتشرف بمشاهدته الأبصار، فلا يغتر بما يذهب ويفنى إلا من لا عقل له، فلا تستغرب إدبارهم، إذ لا عقل لهم‏.‏

ويحتمل أن يكون تسليةً للنبي صلى الله عليه وسلم؛ من حيث إنه أرشده إلى شهود تدبير الحق، فيسلو، بذلك عن إعراضهم؛ لغيبته في المصور المدبر عن الصور، وعن الزينة في المُزَيِّن فالكون مظهر الصفات ومرآتها، ويغيب في الذات- التي هي معدنها- بإفناء الظاهر، وإفناء الأفعال، كما نبّه عليه بقوله‏:‏ ‏{‏وإِنا لجاعلون‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ‏.‏

الإشارة‏:‏ الخصوصية- من حيث هي- لها بداية ونهاية، فمن شأن أهل بدايتها‏:‏ الحرص على الخير لهم ولعباد الله، فيتمنون أن الناس كلهم خصوص أو صالحون، فإذا رأوا الناس أعرضوا عنها تأسفوا عليهم، وإذا أقبلوا عليهم فرحوا من أجلهم، زيادة في الهداية لعباد الله، فإذا تمكنوا منها ورسخت أقدامهم فيها، وحصل لهم الفناء الأكبر، لم يحرصوا على شيء، ولم يتأسفوا من فوات شيء، لهم ولغيرهم‏.‏

وقد يتوجه العتاب لهم على الحرص في بدايتهم؛ تكميلاً لهم، وترقية إلى المقام الأكمل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا جعلنا ما على الأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ، هو حكمة تخلف الناس عن الخصوصية، حتى يتميز الطالب لها من المعرض عنها، فمن أقبل على زينة الدنيا وزهرتها، فاتته الخصوصية، وبقي من عوام الناس، ومن أعرض عنها وعن بهجتها، وتوجه بقلبه إلى الله، كان من المخصوصين بها، المقربين عند الله‏.‏

وهذا هو أحسن الأعمال التي اختبر الله به عباده بقوله‏:‏ ‏{‏لنبلوهم أيهم أحسن عملاً‏}‏، وفي الحديث‏:‏ «الدنيا مال مَنْ لاَ مَالَ لَه، لَهَا يَجْمَعُ مَنْ لاَ عَقْلَ لَه‏.‏ وعليها يُعَادِي مَنْ لاَ عِلْمَ عِنْدَه» وفي الزهد والترغيب أحاديث كثيرة مفردة بالتأليف، وبالله التوفيق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 12‏]‏

‏{‏أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا ‏(‏9‏)‏ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ‏(‏10‏)‏ فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ‏(‏11‏)‏ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ‏(‏12‏)‏‏}‏

قلت‏:‏ ‏{‏أم‏}‏‏:‏ منقطعة مقدرة ببل، التي هي للانتقال من حديث إلى حديث، لا للإبطال، والهمزة‏:‏ للاستفهام عند الجمهور، وبمعنى «بل»، فقط، عند غيرهم، و‏{‏عجبًا‏}‏‏:‏ خبر كان، و‏{‏من آياتنا‏}‏‏:‏ حال منه، و‏{‏إذ أوى‏}‏‏:‏ ظرف لعجبًا، لا لحَسِبَْتَ، أو مفعول اذكر، أي‏:‏ اذكر هذا الوقت العجيب، وهو حين التجأ الفتية إلى الكهف، و‏{‏لنا‏}‏ و‏{‏مِنْ أمرنا‏}‏‏:‏ يتعلق ب ‏{‏هيئ‏}‏، و‏{‏أيّ الحزبين‏}‏‏:‏ معلق لنعلم عن المفعولين؛ لما فيه من معنى الاستفهام، وهو مبتدأ، و«أحصى»‏:‏ خبره، وهو فعل ماضٍ، و‏{‏أمدًا‏}‏‏:‏ مفعوله‏.‏

و ‏{‏لِما لبثوا‏}‏‏:‏ حال منه، أو مفعول «أحصى»، واللام زائدة، و‏{‏ما‏}‏‏:‏ موصولة، و‏{‏أمدًا‏}‏‏:‏ تمييز، وقيل‏:‏ ‏{‏أحصى‏}‏‏:‏ اسم تفضيل، من الإحصاء بحذف الزوائد، و‏{‏أمدًا‏}‏‏:‏ منصوب بفعل دل عليه أحصى، أي‏:‏ يحصى كقوله‏:‏

وَأَضْرَبَ مِنَّا بالسُّيُوفِ القَوَانِسَا *** لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به، إجماعًا، ويجوز أن يكون تمييزًا بعد اسم التفضيل‏.‏

يقول الحقّ جلّ جلاله‏:‏ ‏{‏أم حَسِبْتَ‏}‏ أي‏:‏ ظننت يا محمد، والمراد‏:‏ حسبان أمته ‏{‏أنَّ أصحابَ الكهف‏}‏، وهو الغار الواسع في الجبل‏.‏ واختُلف في موضعه؛ فقيل‏:‏ بقرب فلسطين، وقيل‏:‏ بالأندلس بمقربة من لوشة في جهة غرناطة‏.‏ وذكر ابن عطية أنه دخل كهفهم، وفيه موتى، ومعهم كلبهم، وعليهم مسجد، وقريب منه بناء يقال له الرَّقِيم، قد بقي موضع جدرانه، وفي تلك الجهة آثار يقال لها‏:‏ مدينة «دقيوس»، والله أعلم‏.‏ وقال ابن جزي‏:‏ ومما يُبعد ذلك ما رُوي أن معاوية مرَّ عليهم، وأراد الدخول إليهم ولم يدخل، هيبةً، ومعاوية لم يدخل الأندلس قط، وأيضًأ‏:‏ فإن الموتى في لَوْشة يراهم الناس، ولا يدرك أحد الرعب الذي ذكر الله في أهل الكهف‏.‏ ه‏.‏

والمشهور‏:‏ أن الرقيم هو اللوح المكتوب فيه أسماؤهم وأنسابهم، وكان جُعِل ذلك الكتاب في خزانة الملك، وهو لوح من رصاص أو حجر، أمر بكتب أسمائهم فيه لما شكا قومُهم فقْدَهم‏.‏ وقيل‏:‏ اسم كلبهم‏.‏

أي‏:‏ أظننت أنهم ‏{‏كانوا‏}‏ في قصتهم ‏{‏من‏}‏ بين ‏{‏آياتنا عَجَبًا‏}‏ أي‏:‏ كانوا عجبًا دون باقي آياتنا، ليس الأمر كذلك‏.‏ والمعنى‏:‏ أن قصتهم، وإن كانت خارقة للعادة، ليست بعجيبة، بالنسبة إلى سائر الآيات التي من تعاجيبها ما ذكر من خلق الله تعالى على الأرض، من الأجناس والأنواع الفائتة الحصر من مادة واحدة، بل هي عندها كالنزر الحقير‏.‏ وقال القشيري‏:‏ أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم، بما أضاف إلى نفسه بقوله‏:‏ ‏{‏من آياتنا‏}‏، وقَلْبُ العادةِ مِنْ قِبَلِ اللهِ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ ولا مُبْتَدَعٍ‏.‏ ه‏.‏

ثم ذكر أول قصتهم، فقال‏:‏ ‏{‏إِذْ أوى الفتيةُ‏}‏‏:‏ جمع فتى، وهو الشاب الكامل، أي‏:‏ اذكر حين التجأ الفتية إلى الكهف، هاربين بدينهم، خائفين على إيمانهم من كفار قومهم، ورأسهم «دقيانوس»، على ما يأتي في قصتهم‏.‏

‏{‏فقالوا‏}‏؛ حين دخلوا الغار‏:‏ ‏{‏ربَّنا آتنا من لدُنك‏}‏؛ من مستبطن أمورك وخزائن رحمتك الخاصة المكنونة عن أعين العادات، ‏{‏رحمةً‏}‏ خاصة تستوجب الرفق والأمن من الأعداء، ‏{‏وَهَيِّئ‏}‏‏:‏ أصلح ‏{‏لنا من أمرنا‏}‏ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ومهاجرتهم، ‏{‏رَشَدًا‏}‏‏:‏ هداية نصير بها راشدين مهتدين، أو‏:‏ اجعل أمرنا كله رشدًا وصوابًا، كقولك‏:‏ لقيت منك أسدًا، فتكون من باب التجريد، أو‏:‏ إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب، وأصل التهيئة‏:‏ إحداث هيئة الشيء‏.‏

‏{‏فَضَرَبْنَا على آذانهم‏}‏ أي‏:‏ أَنَمْنَاهُمْ، شبَّه الإنامة الثقيلة المانعة من وصول الأصوات إلى الآذان بضرب الحجاب عليها، وتخصيص الآذان بالذكر مع اشتراك سائر المشاعر لها في الحَجْب عن الشعور عند النوم؛ لأنها تحتاج إلى الحجب أكثر، إذ هي الطريقة للتيقظ غالبًا‏.‏ والفاء في ‏{‏فضربنا‏}‏‏:‏ مثلها في قوله‏:‏ ‏{‏فاستجبنا لَهُ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 90‏]‏، بعد قوله‏:‏ ‏{‏إِذ نادى‏}‏، فإنَّ الضرب المذكور، وما ترتب عليه من التقليب ذات اليمين وذات الشمال، والبعث، وغير ذلك، إيتاءُ رحمةٍ لَدُنِّيَّةٍ خفيةٍ عن أبصار المستمسكين بالأسباب العادية؛ استجابة لدعوتهم، أي‏:‏ فاستجبنا لهم وأَنَمْناهم، ‏{‏في الكهف سنينَ عددًا‏}‏ أي‏:‏ ذوات عدد، أو تُعَدُّ عددًا، أو معدودة، ووصْف السنين بذلك‏:‏ إمَّا للتكثير، وهو الأنسب بكمال القدرة، أو التقليل، وهو الأليق بمقام إنكار كون القصة عجبًا من سائر الآيات العجيبة؛ فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده تعالى‏.‏

‏{‏ثم بعثناهم‏}‏؛ أيقظناهم من تلك النومة الشبيهة بالموت، ‏{‏لنعْلَمَ‏}‏ علم مشاهدة، أي‏:‏ ليتعلق علمنا تعلقًا حاليًّا كتعلقة أولاً تعلقًا استقباليًّا، ‏{‏أيُّ الحزبين‏}‏‏:‏ الفريقين المختلفين في مدة لبثهم المذكور في قوله‏:‏ ‏{‏قالوا لبثنا يومًا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الخ، ‏{‏أحْصَى‏}‏ أي‏:‏ أضبط ‏{‏لِما لَبِثُوا‏}‏‏:‏ للبثهم، ‏{‏أمدًا‏}‏ أي‏:‏ غاية، فيظهر بذلك عجزهم، ويُفوضوا ذلك إلى العليم الخبير، ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، من حفظ أبدانهم وأديانهم، فيزدادوا يقينًا بكمال قدرته وعلمه، وليتيقنوا به أمر البعث، ويكون ذلك لطفًا بمؤمني زمانهم، وآية بينة لكفارهم، وعبرةً لمن يأتي بعدهم، فهذه حِكَمُ إيقاظهم بعد نومهم، والله عليم حكيم‏.‏

الإشارة‏:‏ عادته تعالى فيمن انقطع إليه بكليته، وآوى إلى كهف رعايته، وآيس من رفق مخلوقاته، أن يكلأه بعين عنايته، ويرعاه بحفظ رعايته، ويُغَيِّبَ سمع قلبه عن صوت الأكدار، ويصون عين بصيرته عن رؤية الأغيار، حين انحاشوا إلى حِمى رحمته المانع، وتظللوا تحت ظل رشده الواسع‏.‏ وبالله التوفيق‏.‏